المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موسوعة تاريخ الدول


هيثــــــم
12-13-2009, 12:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخواني اخواتي اعضاء منتديات خنشلة التعليمية
اقدم لكم هذه الموسوعة العالمية
حيث اليوم نتاول :
قارة أفريقيا


هي القارة التي تتوسط قارات العالم القديم، وهي ثانية قارات العالم مساحة إذ تبلغ مساحتها حوالي 30 مليون كلم2. وتملك دولها التي يصل عددها إلى 54 دولة خصائص مشتركة لكنها تختلف اختلافا بينا في المساحة وعدد السكان والموارد الاقتصادية. فنيجيريا هي أكبر دولة من حيث عدد السكان الذين يقدر عددهم بحوالي 111.5 مليون نسمة (عام 2000) في حين توجد سبع دول مستقلة في القارة لا يتجاوز عدد سكان كل منها مليون نسمة، وتعد سيشيل هي الدولة الأصغر من حيث عدد السكان الذين قدروا بحوالي 77 ألف نسمة. أما إجمالي عدد سكان القارة فيصل إلى حوالي 783.5 مليون نسمة (عام 2000).
ويعيش ثلثا سكان القارة الأفريقية على الزراعة. ورغم أنها قارة ضخمة المساحة حيث تبلغ كثافتها السكانية 22 نسمة لكل كلم2، فإن هذه الكثافة في الأراضي الزراعية تصل إلى 163 نسمة لكل كلم2، ومتوسط معدل الزيادة السكانية في القارة يصل إلى حوالي 2.9% سنوياً مما يمثل ضغطا سكانيا على الأراضي الزراعية ويدفع الشباب إلى الهجرة إلى المدن حتى لو كانت فرص العمل ضعيفة.


http://vb.4040404040eyes.com/uploaded/129613_1207421883.gif


الفهرس الخاص بمواضيع القارة :




(http://www.forum.educ40.net/redirector.php?url=http%3 A%2F%2Fdvd4arab.maktoob.c om%2Fshowthread.php%3Ft%3 D757393)
القيروان "اجمل المدن التونسيه والتاريخ الاسلامي"

فاس المغربيه"حضاره...تاريخ..ع لم..ثقافه"

تاريخ المغرب

تاريخ الجزائر

تاريخ تونس

تاريخ ليبيا

مدينه قسنطينه "صور قديمه وحديثه "

تاريخ الاسكندريه منذ نشاتها

الاسكندريه الامبراطوريه الضائعه

صفحه من تاريخنا المضئ دوله المرابطين

القاهره

موسوعه تاريخ وحضاره مصر الفرعونيه

بدايات الدوله العثمانيه حتي عهد السلطان محمد الفاتح"بالتفصيل "

دول منسلخه عن الخلافه العباسيه

(http://www.forum.educ40.net/redirector.php?url=http%3 A%2F%2Fdvd4arab.maktoob.c om%2Fshowthread.php%3Ft%3 D757393)

هيثــــــم
12-13-2009, 12:08 PM
القيروان ...اجمل المدن التونسية و التاريخ الاسلامي



يعود تاريخ القيروان إلى عام 50 هـ / 670 م، عندما قام بإنشائها عقبة بن نافع. وكان هدفه من هذا البناء أن يستقر بها المسلمون، إذ كان يخشى إن رجع المسلمون عن أهل إفريقية أن يعودوا إلى دينهم. وقد اختير موقعها على أساس حاجات إستراتيجية واضحة. وقد اختار لها موضعا بعيدا عن البصر في وسط البلاد ولئلا تمر عليها مراكب الروم فتهلكها.



لعبت مدينة القيروان دورا رئيسيا في القرون الإسلامية الأولى، فكانت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي ومركز الثقل فيه منذ ابتداء الفتح إلى آخر دولة الأمويين بدمشق . وعندما تأسست الخلافة العباسية ببغداد رأت فيها عاصمة العباسيين خير مساند لها لما أصبح يهدد الدولة الناشئة من خطر الانقسام والتفكك. ومع ظهور عدة دول مناوئة للعاصمة العباسية في المغرب الإسلامي فقد نشأت دولة الأمويين بالأندلس، ونشأت الدولة الرستمية من الخوارج في الجزائر، ونشأت الدولة الإدريسية العلوية في المغرب الأقصى.



وكانت كل دولة من تلك الدول تحمل عداوة لبني العباس خاصة الدولة الإدريسية الشيعية التي تعتبرها بغداد أكبر خطر يهددها. لهذا كله رأى هارون الرشيد أن يتخذ سدا منيعا يحول دون تسرب الخطر الشيعي. ولم ير إلا عاصمة إفريقية قادرة على ذلك، فأعطى لإبراهيم بن الأغلب الاستقلال في النفوذ وتسلسل الإمارة في نسله.



وقامت دولة الأغالبة (184-296هـ / 800 -909م) كوحدة مستقلة ومداف عة عن الخلافة. وقد كانت دولة الأغالبة هذا الدرع المنيع أيام استقرارها، ونجحت في ضم صقلية إلى ملكها عام 264 هـ / 878 م، وقام أمراؤها الأوائل بأعمال بنائية ضخمة في القيروان ذاتها ومنها توسيع الجامع في القيروان، وتوسيع الجامع في تونس، كما عمل الأغالبة على الاهتمام بالزراعة والري في المنطقة، وأقاموا الفسقية المشهورة.



وقد استغل الأمراء الأغالبة تلك المكانة واتخذوها سلاحا يهددون به عاصمة بغداد كلما هم خليفة من خلفائها بالتقليل من شأن الأمراء الأغالبة أو انتقاص سيادتهم. وهذا ما فعله زيادة الله بن الأغلب مع الخليفة المأمون العباسي. فقد أراد هذا الأخير إلحاق القيراون بولاية مصر، وطلب من زيادة الله أن يدعو لعبد الله بن طاهر بن الحسين والي المأمون على مصر فأدخل زيادة الله رسول المأمون إليه، وقال له: إن الخليفة يأمرني بالدعاء لعبد خزاعة. هذا لا يكون أبدا ثم مد يده إلى كيس بجنبه فيه ألف دينار ودفعه للرسول. وكان في الكيس دنانير مضروبة باسم الأدارسة في المغرب ؛ ففهم المأمون مقصد الأمير الأغلبي فكف عن محاولته ولم يعد إليها.



وبسبب هذه المكانة فقد عمل على التقرب منها أكبر ملك في أوروبا إذ بعث الإمبراطور شارلمان بسفرائه إلى إبراهيم بن الأغلب فقابلهم في دار الإمارة بالعباسية في أبهة عجيبة بالرغم من الصلات الودية التي كانت بين هذا الإمبراطور والخليفة العباسي هارون الرشيد.



وفي عهد ولاية إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب (261 - 289هـ / 875 -902م) بدأت الفتن تدب بين أمراء الأغالبة. وكان إبراهيم بن أحمد سفاحا لم تسلم منه عامة الناس ولا أقرب الناس إليه وكان غدره بسبعمائة من أهل بلزمة سنة 280هـ / 894 م سببا من أسباب سقوط دولة بني الأغلب. وفي نفس السنة شقت عصا الطاعة في وجه هذا الأمير مدن تونس، وباجة، وقمودة، وغيرها. وعمت الفوضى أرجاء البلاد بينما الخطر العبيدي الشيعي يزداد يوما بعد يوم. ولما أيقن إبراهيم بن أحمد بخطر بني عبيد حاول سنة 289هـ /902 م تغيير سياسته، فرفع المظالم، واستمال الفقهاء، وبذل الأموال للشعب ولكن بدون جدوى. وفي عهد حفيده زيادة الله ازداد خوف بغداد واشتد جزعها من الزحف العبيدي فبعث الخليفة العباسي المكتفي بالله يحث أهل إفريقية على نصرة زيادة الله فلم يكن لذلك صدى في النفوس وبذل زيادة الله الأموال بلا حساب ولكن دون جدوى. فلم يمض على هذا الحادث سوى ثلاث سنوات حتى جاءت معركة الأربس الحاسمة سنة 296هـ / 909 م وفر على إثرها زيادة الله إلى المشرق ومعه وجوه رجاله وفتيانه وعبيده. وباستيلاء العبيديين على القيروان جمعوا كل المغرب تحت سيطرتهم فشجعهم ذلك على متابعة السير نحو المشرق. و ‎ أمكن لهم فيما بعد أن يستولوا على مصر والشام والحجاز. ولولا الظروف السياسية والوضع الداخلي للفاطميين لاستولوا على بغداد نفسها.



وعندما انتقل بنو عبيد إلى مصر ووصل المعز لدين الله الفاطمي القاهرة عام 362هـ / 973 م اهتموا بالقيروان واتخذوها مركزا لنائبهم في إفريقية، وعهدوا إليه بالسهر على حفظ وحدة المغرب والسيطرة عليه. واستخلف المعز الفاطمي بلكين بن زيري الصنهاجي على إفريقية، وكتب إلى العمال وولاة الأشغال بالسمع والطاعة له فأصبح أميرا على إفريقية والمغرب كله، وقام بلكين وخلفاؤه بقمع الثورات التي حصلت خاصة في المغرب في قبائل زنانة. واستمر المغرب في وحدته الصنهاجية وتبعيته إلى مصر الفاطمية إلى أن انقسم البيت الصنهاجي على نفسه فاستقل حماد الصنهاجي عن القيروان متخذا من القلعة التي بناها قاعدة لإمارته. وكان هذا الانقسام السياسي خير ممهد لظهور دولة المرابطين في المغرب الأقصى. كما كان لهذا الانقسام نتائجه الأليمة فيما بعد عندما أعلن المعز ابن باديس الصنهاجي استقلاله عن الفاطميين، فبعثوا إليه بقبائل الأعراب من الهلاليين فمزق شمل الدولة، وقضى على معالم الحضارة، وخربت القيروان، ولم تعد العاصمة السياسية القوية أو مركزا تشع منه المعارف والعلوم والآداب



http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/4/48/Kairouan-mosquee-cimetiere.jpg/250px-Kairouan-mosquee-cimetiere.jpg


http://islamictourism.com/admin1/upload/1097771804/14octqairawan2.jpg


http://www.commune-kairouan.gov.tn/Photos/bassin_aglab_b.jpg


http://www.sfari.com/photo/data/8/227535653_d053d233c0.jpg

هيثــــــم
12-13-2009, 12:14 PM
2-فاس المغربية :: حضارة تاريخ علم و تراث::




مدينة فاس المدينة العريقة والتي تسمى العاصمة العلمية والروحية بسبب عدة امتيازات خاصة بها

فاس مدينة مغربية : ثالث اكبر مدن المملكة المغربية (بعد الدار البيضاء والعاصمة الرباط )، وهي واحدة من المدن الاربعة العتيقة بالمغرب (مراكش ،الرباط ،مكناس وفاس)

تأسست مدينة فاس يوم 4 يناير/كانون الثاني سنة 808 ميلادي/182 هجري، على يد إدريس الأول الذي جعلها عاصمة الدولة الإدريسية بالمغرب ،حيث ستحتفل المدينة سنة 2008 بعيد ميلادها ال1200. تنقسم فاس إلى 3 أقسام، فاس البالي وهي المدينة القديمة وفاس الجديد وقد بنيت في القرن الثالث عشر الميلادي والمدينة الجديدة التي بناها الفرنسيون إبان فترة الاستعمار الفرنسي.

تقع مدينة فاس في أقصى شمال شرق المملكة المغربية.



http://www.7rkt.at/uploader/uploads/9a5dcec29f.jpg


اختيرت مدينة فاس كأحد مواقع التراث العالمي من قبل اليونسكو عام 1981 م. تعد المدينة القديمة في فاس أكبر منطقة خالية من المركبات والسيارات في العالم.
والتي لم تتغير منذ القرن الثاني عشر

http://www.7rkt.at/uploader/uploads/5448d21f19.jpg



وهي اكبر مدينة قديمة في العالم وتعتبر كذلك احدى العواصم العربية المسلمة للثقافة بجانب دمشق وبغداد ..
وترجع تسمية المدينة " فاس " الى العثور على فأس اثناء تشييد المدينة

واكثر ماتشتهر المدن المغربية القديمة هي الابواب وتعتبر فاس اكثرها :


http://www.7rkt.at/uploader/uploads/d364653605.jpg


http://www.7rkt.at/uploader/uploads/3a4e3a4c67.jpg

http://www.7rkt.at/uploader/uploads/bfe421b6f2.jpg

http://www.7rkt.at/uploader/uploads/415faa81c5.jpg

http://www.7rkt.at/uploader/uploads/ecac3b7798.jpg


فاس ايضا مشهورة بجامع القرويين الذي بني عام 245 هـ/859 م.قامت ببنائه فاطمة الفهرية حيث وهبت كل ما ورثته لبناء المسجد. كان أهل المدينة وحكامها يقومون بتوسعة المسجد وترميمه والقيام بشؤونه. أضاف الأمراء الزناتيون بمساعدة من أمويي الأندلس حوالي 3 آلاف متر مربع إلى المسجد وقام بعدهم المرابطون بإجراء توسعة أخرى.

لا تزال الصومعة المربعة الواسعة في المسجد قائمة إلى الآن من يوم توسعة الأمراء الزناتيين عمال عبد الرحمن الناصر على المدينة، تعد هذه الصومعة أقدم منارة مربعة في بلاد المغرب العربي.

http://www.7rkt.at/uploader/uploads/3c3ba196d2.jpg



جامعة القرويين هي أول جامعة أنشئت في تاريخ العالم، وأقدمها على الإطلاق. بنيت الجامعة كمؤسسة تعليمية لجامع القرويين .

تخرج فيها العديد علماء الغرب، وقد بقي الجامع والجامعة العلمية الملحقة به مركزا للنشاط الفكري والثقافي والديني قرابة الألف سنة. درس فيها سيلفستر الثاني (غربيرت دورياك)، الذي شغل منصب البابا من عام 999 إلى 1003م، ويقال أنه هو من أدخل بعد رجوعه إلى أوروبا الأعداد العربية. كما أن موسى بن ميمون الطبيب والفيلسوف اليهودي قضى فيها بضع سنوات قام خلالها بمزاولة التدريس في جامعة القرويين.

درّس فيها الفقيه المالكي أبو عمران الفاسي وابن البنا المراكشي وابن العربي وابن رشيد السبتي وابن الحاج الفاسي وابن ميمون الغماري، زارها الشريف الإدريسي ومكث فيها مدة كما زارها ابن زهر مرات عديدة ودون النحوي ابن آجروم كتابه المعروف في النحو فيها.


http://www.7rkt.at/uploader/uploads/14e4ada631.jpg


ننتقل الآن الى المدينة الحديثة


http://www.7rkt.at/uploader/uploads/b072633e5a.jpg


http://www.7rkt.at/uploader/uploads/7041e60c68.jpg


http://www.7rkt.at/uploader/uploads/e842980877.jpg

هيثــــــم
12-13-2009, 12:15 PM
۞۞ تاريخ المغرب ۞۞

السكان الأصليون بالمغرب هم الأمازيغ، وعرف المغرب خلال فترات ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا تعاقب عدة حضارات أمازيغية، منها: الحضارة الآشولية، الموستيرية، العاتيرية، الإيبروموريزية، الموريتانية الطنجية، و الحضارات الإسلامية بالمغرب.

http://inlinethumb14.webshots.co m/43021/2659081170042254918S600x6 00Q85.jpg (http://good-times.webshots.com/photo/2659081170042254918juEpQn )
قوس النصر بمدينة وليلي (فوليبليس) الاثرية


حضارات فترة ما قبل التاريخ

العصر الحجري القديم
الحضارة الآشولية: تعود بقايا هده الحضارة إلى حوالي 700.000 سنة وأهم الاكتشافات تمت بمواقع مدينة الدار البيضاء( مقالع طوما وأولاد حميدة، وسيدي عبد الرحمان...). الأدوات الحجرية الخاصة بهده الحضارة تتكون من حجر معدل، حجر ذو وجهين....

العصر الحجري الأوسط
الحضارة الموستيرية:عرفت هده الحضارة في المغرب بين حوالي 120.000و 40.000 سنة ق.م و من أهم المواقع التي تعود إلى هده الفترة حيث نذكر موقع جبل "يعود" والذي عثر فيه على أدوات حجرية تخص هذه الفــترة ( مكاشط...) وكذلك على بقايا الإنسان والحيوان.

الحضارة العاتيرية: -
تطورت هذه الحضارة في المغرب بين 40.000 سنة و 20.000سنة وهي حضارة خاصة بشمال إفريقيا وقد عثر عليها في عدة مستويات بعدة مغارات على الساحل الأطلسي: دار السلطان 2 ومغارة الهرهورة والمناصرة 1و2....

العصر الحجري الأعلى
الحضارة الإيبروموريزية: ظهرت هده الحضارة في المغرب واوروبا مند حوالي 21.000 سنة وتميزت بتطور كبير في الأدوات الحجرية والعظمية. أهم المواقع التي تخلد هده الفترة نجد مغارة تافوغالت والتي تقع في نواحي مدينة وجدة.

العصر الحجري الحديث
يلي هدا العصر من الناحية الكرونولوجية الفترة الإيبروموريزية وقد تطور في المغرب حوالي 6000 سنة ق م. تتميز هذه الحضارة بظهور الزراعة واستقرار الإنسان وتدجين الحيوانات وصناعة الخزف واستعمال الفؤوس الحجرية... في المغرب هناك عدة مواقع عثر فيها على هده الحضارة ونذكر مثلا: كهف تحت الغار وغار الكحل ومغارات الخيل ومقبرة الروازي الصخيرات....

عصر المعادن
يرجع هدا العصر إلى حوالي 3000 سنة ق.م وأهم مميزاته استعمال معدني النحاس ثم البرونز وأهم خصائصه ما يعرف بالحضارة الجرسية ثم حضارة عصر البرونز.



حضارات العصر الكلاسيكي بالمغرب

الفترة الفينيقية
يرجع المؤرخ Pline l’ancien بدايات تواجد الفينيقيين بالمغرب إلى حوالي نهاية القرن الثاني عشر ق.م مع ذكر موقع ليكسوس كأول ما تم تأسيسه بغرب المغرب. لكن بالنظر إلى نتائج الحفريات الأثرية نجد أن استقرار الفينيقيين بالمغرب لا يتجاوز الثلث الأول من القرن الثامن ق.م. بالإضافة إلى ليكسوس نجد موكادور التي تعتبر أقصى نقطة وصلها الفينيقيين في غرب المغرب. الاكتشافات الأخيرة أغنت الخريطة الأركيولوجية الخاصة بهذه الفترة بالمغرب حيث تم اكتشاف عدة مواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط. و مكان تواجدها هو مدينة العرائش.

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/32/Lixus.jpg
ليكسوس الاثرية

الفترة البونيقية
في القرن الخامس ق م قام حانون برحلة استكشافية على طول شواطئ المغرب حيث قام بتأسيس عدة مراكز، التأثير القرطاجي يظهر

بالخصوص في عادات الدفن وانتشار اللغة البونيقية. ومنذ القرن الثالث ق.م ، مدينة وليلي الموريطانية كانت تخضع لحكم يشبه حكم قرطاج.

الفتره الموريتانية الطنجية
أقدم ما ذكر حول الملوك الموريتانيين يعود إلى الحرب البونيقية الثانية حوالي 206 ق م و ذلك حين وفر الملك باكا حماية للملك الأمازيغي ماسينسا تتمثل في 4000 فارسا. أما تاريخ المملكة الموريطانية فلم تتضح معالمه إلا مع نهاية القرن الثاني ق.م و ذلك مع الاهتمامات التي أصبحت توليها روما لهذا الجزء من أفريقيا. في سنة 25 ق م، نصبت روما الملك يوبا الثاني علـــى رأس المملكة. و بعــد اغتيال" الملك بتوليمي" من طرف الإمبراطور كاليكيلا سنة 40 ق م تم إلحاق المملكة الموريتانية بالإمبراطورية الرومانية.

الفترة الرومانية
بعد إحداث موريتانيا الطنجية، قامت روما بإعادة تهيئة لعدة مدن: تمودة، طنجة، تاموسيدة، زليل، بناصا، وليلي، شالة... كما قامت بإحداث عدة مراكز ذات أهداف عسكرية، و خلال هذه الفترة عرف المغرب انفتاحا تجاريا مهما على حوض البحر الأبيض المتوسط. في سنة 285 بعد الميلاد تخلت الإدارة الرومانية على كل المناطق الواقعة جنوب اللكوس باستثناء سلا و موكادور. مع بداية القرن الخامس الميلادي، خرج الرومان من كل مناطق المغرب.

http://www.q8boy.com/images/17eu17v320cwrv1cvym.gif

الحضارات الإسلامية بالمغرب

باعتناق المغاربة للإسلام ظهرت أول دولة إسلامية بالمغرب هي دولة الأدارسة سنة 788م. وقد كان مؤسس هذه الدولة مولاي ادريس ابن عبد الله الازدي الفارسي، الذي حل بالمغرب الأقصى فارا من موقعة فخ قرب مكة (786). استقر بمدينة وليلي حيث احتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية و دعمته حتى انشأ دولته.

http://inlinethumb42.webshots.co m/31593/2162933770042254918S600x6 00Q85.jpg (http://good-times.webshots.com/photo/2162933770042254918xHHVHT )

الدولة الإدريسة
خلافا لأقاليم و بلدان المشرق لم يكن فتح المغرب بالشيئ الهين، فقد استغرق الأمر نصف قرن من 646م إلى 710م. باعتناق المغاربة الإسلام ظهرت بوادر انفصال هذا الإقليم عن الخلافة بالمشرق. عقب عدة محاولات تحققت هذه الرغبة بظهور أول دولة إسلامية بالمغرب هي دولة الأدارسة سنة 788م. وقد كان مؤسس هذه الدولة المولاى إدريس بن عبد الله المحض العلوي الهاشمي، الذي حل بالمغرب الأقصى فارا من موقعة فخ قرب مكة (786). استقر بمدينة وليلي حيث احتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية و دعمته حتى انشأ دولته. هكذا تمكن من ضم كل من منطقة تامسنا، فزاز ثم تلمسان. اغتيل المولى ادريس الأول بمكيدة دبرها الخليفة العباسي هارون الرشيد ونفذت بعطر مسموم. بويع ابنه ادريس الثاني بعد بلوغه سن الثانية عشر. قام هذا الأخير ببناء مدينة فاس كما بسط نفوذه على وادي الربيع ونواحي فاس بالمغرب. المغرب.

دولة المرابطين
في حدود القرن الحادي عشر الميلادي ظهر في ما يعرف اليوم بموريتانيا مجموعة من الرحل ينتمون لقبيلتي لمتونة وجدالة واستطاع عبد الله بن ياسين، وهو أحد المصلحين الدينيين أن يوحد هاتين القبيلتين و ينظمهما وفق مبادئ دينية متخذا اسم المرابطين لحركته. و هكذا سعى المرابطون إلى فرض نفسهم كقوة فاعلة ، وتمكنوا من إنشاء دولتهم عاصمتها مراكش التي أسسوها سنة 1069م. بسط المرابطون سلطتهم على مجمل المغرب الحالي وبعض جهات الغرب الجزائري و الأندلس ابتداء من 1086م.

الدولة الموحدية
المدرسة البوعنانية في مكناسفي بداية القرن 12م تعاظم بالمغرب شأن المصلح الديني و الثائر السياسي المهدي بن تومرت. حيث استقر بقرية تنمل بجبال الأطلس الكبير جنوب شرق مراكش. و نظم قبائل مصمودة من حوله بغرض الإطاحة بدولة المرابطين التي اعتبرها زائغة عن العقيدة الصحيحة للإسلام، كما سمى أتباعه بالموحدين. استطاع الموحدون بقيادة عبد المومن بن علي من السيطرة على المغرب الأقصى كله بحلول سنة 1147م. كما تمكن من بسط نفوذه على شمال إفريقيا كلها والأندلس مؤسسا بذلك أكبر إمبراطورية بغرب المتوسط منذ الإمبراطورية الرومانية.

الدولة المرينية
ينحدر المرينيون من بلاد الزاب الكبير في الشرق الجزائري (السفوح الغربية لجبال الاوراس امتدادا حتى منطقة المدية ،ومعنى كلمة المرينيون: القبائل التي هلكت ماشيتها، وهم قبائل بدوية كان أول ظهور لهم كمتطوعين في الجيش الموحدي ،واستطاعوا تشكيل قوة عسكرية وسياسية مكنتهم من الإطاحة بدولة الموحدين سنة 1269م. حكم المرينيون المغرب لمدة قرنيين لم يستطيعوا خلالها الحفاظ على الإرث الكبير الذي خلفه الموحدون. مما أجبرهم في نهاية الأمر على توجيه اهتمامهم على الحدود الترابية للمغرب الأقصى.ستتميز نهاية حكمهم بانقسام المغرب إلى مملكتين: مملكة فاس ومملكة مراكش، إضافة إلى سقوط مجموعة من المدن في يد المحتل الإيبيري، كسبتة 1415م و القصر الصغير 1458 و أصيلا و طنجة 1471 و مليلية 1497,ومن بعدهم حكم المغرب الوطاسيون وتنحدر اصولهم ايضا من الشرق الجزائري.

الدولة السعدية
انطلقت حركة الشرفاء السعديين من جنوب المغرب تحديدا من مناطق درعة. وقد اتخذت شكل مقاومة جهادية ضد المحتل الإيبيري للمدن الساحلية.
غير أن السعديين ما فتؤوا يتحولون إلى قوة عسكرية وسياسية تمكنت من فرض نفسها في غياب سلطة مركزية قوية قادرة على توحيد البلاد ودرء الاحتلال. وقد ساعد في بروز دولة السعديين سلسلة الإنتصارات المتلاحقة التي حققوها والتي كللت بدخولهم مراكش سنة 1525م تم فاس سنة 1554م. وقد كان هذا إيذانا بقيام حكم الدولة السعدية بالمغرب. لقد كان الإنتصار المدوي للسعديين على البرتغال في معركة وادي المخازن (معركة الملوك الثلاث) سنة 1578م بالغ الأثر على المغرب،
حيث أعاد للمغرب هيبته في محيطه الجييوستراتيجي، كما مكنه من الإستفادة اقتصاديا خاصة في علاقته مع إفريقيا. كانت وفاةالمنصور الذهبي سنة 1603م إيذانا باندحار دولة السعديين بفعل التطاحن على السلطة بين مختلف أدعياء العرش.

الدولة العلوية
النزاع السياسي الذي خلفه السعديون سيدوم 60 سنة انقسم أثناءها المغرب الأقصى إلى كيانات سياسية جهوية ذات طابع ديني مثل إمارة تازروالت بسوس. هكذا وابتداءا من سنة 1664 ظهر الشريف مولاي رشيد بتافيلالت وانطلق في حملة عسكرية هدفها توحيد البلاد من التشرذم وتأسيس سلطة مركزية قوية، بسط مولى رشيد سلطته مؤسسا بذلك دولة العلويين. وقد كان على خلفه السلطان مولاي إسماعيل دور تثبيت سلطة الدولة الناشئة وفرض هيبتها. استمر عهد السلطان المولى إسماعيل 50 سنة تمكن خلالها من بناء نظام سياسي للدولة. تولى السلاطين العلويون على الحكم متحديين أزمات متعددة داخلية وأخرى خارجية من أبرزها فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912م. وبفضل التضحيات استعاد المغرب استقلاله سنة 1956 معلنا عن ميلاد عهد جديد بالمغرب.



التاريخ الحديث

عهد الحماية
فرض على المغرب نوع من الحماية، جعل أراضيه تحت سيطرة فرنسا وإسبانيا بحسب ما تقرر في مؤتمر الجزيرة الخضراء (أبريل 1906)، وهي تتيح للدول المشاركة المشاركة في تسيير المغرب مع احتفاظه ببعض السيادة ورموزه الوطنية، بعثت فرنسا بجيشها إلى الدار البيضاء في غشت 1907، انتهى الأمر بالسلطان إلى قبول معاهدة الحماية في 3 مارس 1912. وقتها أصبح لإسبانيا مناطق نفوذ في شمال المغرب (الريف) وجنوبه (إفني وطرفاية). في 1923 أصبحت طنجة منطقة دولية. أما باقي المناطق بالمغرب فقد كانت تحت سيطرة فرنسا.
1920 إلى 1927: ثورة الريف في الشمال - حرب الريف - وقيام جمهورية الريف بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي إلى المغرب، خاصة في سنتين 1921 و1926. وتقوت المعارضة ذات النزعة الوطنية، وشرع في المقاومة، في الجبال وفي المدن؛ في 1930، ظهر أول تنظيم سياسي مغربي، بزعامة كل من علال الفاسي و الاوزاني ، وهم الذين سيؤسسون لاحقا حزب الاستقلال. وفي الحرب العالمية الثانية، كانت الحركة المعارضة للحماية قد تقوت، وكانت الجامعة العربية والولايات المتحدة يساندونها. وكان السلطان محمد الخامس يدعمها بدوره ( خطاب طنجة 1947). وقد أكد موقفه المناوئ للحماية أثناء الاحتفال بعيد العرش سنة 1952. وتجاوب معه الشعب على نطاق واسع، فنظمت مظاهرات مساندة لمساعيه ( في الدار البيضاء على الخصوص)، وواجهت سلطات الاحتلال المتظاهرين بالقمع العنيف، وقد عملت سلطات الاختلال على كسب دعم الاقطاعيين، خاصة، لخلع ملك البلاد الشرعي، واحلال ابن عمه ( ابن عرفة ) محله، وكرد فعل على ذلك، دعا رجالات الحركة الوطنية إلى الكفاح المسلح ضد الفرنسيين، وأعلن على استقلال المغرب في 3 مارس 1956. كما ان إسبانيا سلمت بدورها باستقلال هذا البلد في 7 ابريل 1956.

مسيرة الاستقلال
لمزيد من المعلومات، راجع المقال الرئيسي عن استعمار إنجليزي للمغرب، الاحتلال الإسباني للمغرب، الظهير البربري، مبدأ الحماية، حرب الريف والمسيرة الخضراء.
في 18 نوفمبر عام 1927، تربع الملك محمد الخامس على العرش وهو في الثامنة عشرة من عمره، وفي عهده خاض المغرب المعركة الحاسمة من أجل الاستقلال عن الحماية. في 11 يناير 1944 تم تقديم وثيقة المطالبة بإنهاء حماية المغرب واسترجاع وحدته الترابية وسيادته الوطنية الكاملة. في 9 أبريل 1947 زار محمد الخامس مدينة طنجة حيث ألقى بها خطاب طنجة الذي أدى إلى تصعيد المقاومة (جيش التحرير) لإنهاء الحماية. في 20 غشت 1953 نفي محمد الخامس والأسرة الملكية إلى مدغشقر واندلع بالمغرب ما يعرف بثورة الملك والشعب.

في 16 نونبر 1955 عاد محمد الخامس والأسرة الملكية من المنفى. وفي 2 مارس 1956 اعترفت الحكومة الفرنسية باستقلال المملكة المغربية في التصريح المشترك الموقع بين محمد الخامس والحكومة الفرنسية، وفي 7 أبريل 1956 تم التوقيع مع اسبانيا على اتفاقيات تم بموجبها استرجاع المغرب لأراضيه في الشمال، وفي اليوم 22 من نفس الشهر انضم المغرب إلى منظمة الأمم المتحدة، وفي عام 1958 استرجع المغرب إقليم طرفاية من الاحتلال الأسباني وتم إلغاء القانون الذي تم بمقتضاه تدويل مدينة طنجة. وفي 26 فبراير 1961 توفي محمد الخامس.

في عهد الحسن الثاني
تربع الحسن الثاني على العرش كملك للمغرب في 3 مارس 1961، في دجنبر 1962 تمت المصادقة بواسطة الاستفتاء على أول دستور يجعل من المغرب ملكية دستورية، في عام 1969 تم استرجاع سيدي إفني. في 6 نونبر 1975 انطلقت المسيرة الخضراء بـ350 ألف متطوع ومتطوعة عبروا الحدود الإستعمارية ودخلوا الصحراء الغربية. في 14 نونبر 1975 تم التوقيع على معاهدة مدريد التي تم بموجبها استرجاع المغرب للأقاليم الصحراوية، في 23 يناير 1987 اقترح الحسن الثاني على العاهل الأسباني خوان كارلوس الأول إنشاء خلية للنظر في قضية سبتة ومليلية والجزر الجعفرية (جزر باديس ونكور وملوية) التي لا زالت تحت الاحتلال الإسباني. في 17 فبراير 1989 تم التوقيع بمراكش على المعاهدة التأسيسية لاتحاد المغرب العربي.
كما ترأس الحسن الثاني لجنة القدس منذ انعقاد المؤتمر العاشر لوزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي بفاس في جمادى الآخرة 1399هـ، مارس 1979م إلى حين وفاته في عام 1999م، وتم اختيار الملك محمد السادس رئيسا للجنة. وفي عام 1992م، ترأس الملك الحسن اجتماعات قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي عقدت بالدار البيضاء، كما شارك في قمة (صانعي السلام) بشرم الشيخ بمصر. وفي 23 يوليوز 1999م، توفي الملك الحسن الثاني بعد أن عمل على توحيد المغرب ودعم استقلال جميع أراضيه، وبذل جهوداً كبيرة من أجل تشجيع المبادرات الإسلامية والعربية والإفريقية. وفي اليوم نفسه تلقى الملك محمد بن الحسن البيعة في قاعة العرش بالقصر الملكي بالرباط.




الأحداث الرئيسية


قبل الميلاد: الأمازيغ هم السكان الأصليون للبلاد، أسسوا اتحادات قبلية وممالك مثل "مملكة مازيليا" و "مملكة موريطانيا" و "مملكة نوميديا".
القرن 2 قبل الميلاد: الحملة الرومانية لجزء من شمال المغرب ووجهت بالمقاومة.
القرن 3: عبور الوندال ثم البيزنطيين للأجزاء الشمالية.
القرن 7:الفتح الإسلامي للمغرب.
من القرن 8 إلى القرن 17: تعاقبت عدة أسر على حكم المغرب ومنها: المرابطون، الموحدون، المرينيون والسعديون.
1660: تأسيس الدولة العلوية.
1822-1859: حكم مولاي عبد الرحمن الذي ناصر المقاومة الجزائرية بزعامة الأمير عبد القادر ضد الاستعمار الفرنسي.
1894-1908: خلال حكم مولاي عبد العزيز تمت معاهدة سرية بين فرنسا وإسبانيا حول تقسيم الصحراء الغربية. وهجوم القوات البحرية الفرنسية على مدينة الدار البيضاء سنة 1907.
1912: توقيع معاهدة الحماية وتقسيم المغرب إلى ثلاثة مناطق.
1920 إلى 1927 : ثورة الريف في الشمال - حرب الريف - وقيام جمهورية الريف بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي.
1927: اعتلاء محمد الخامس العرش وهو في سن الثامنة عشر.
1947: زيارة محمد الخامس مدينة طنجة (الخاضعة للحماية الدولية أنذاك) في خطوة مهمة عبر فيها المغرب عن رغبته في الاستقلال وانتمائه العربي الإسلامي في خطاب طنجة.
1953: نفي الملك محمد الخامس وعائلته إلى مدغشقر من طرف فرنسا لمطالبته باستقلال المغرب ودعم حركات المقاومة.
1955: سماح فرنسا بعودة العائلة الملكية إلى البلاد بعد الهجمات المتصاعدة للمقاومة والغضب الشعبي.
1956: استقلال البلاد مع بقاء سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وإفني والأقاليم الصحراوية تحت السلطة الإسبانية.
1957: استرجاع رأس جوبي (طرفاية) بعد حرب إفني مع إسبانيا وفرنسا.
1961: وفاة الملك محمد الخامس واعتلاء الحسن الثاني العرش.
1963: المغرب يدخل في حرب مع الجزائر بسبب الصراع على الحدود المغربية الجزائرية بمنطقة تندوف وتسمى حرب الرمال، تدخلت الجامعة العربية للصلح.
1972:الجنرال أحمد أوفقير ينفذ عملية انقلاب فاشلة ضد الملك الحسن الثاني.
1975: القيام بالمسيرة الخضراء بعد اعتراف محكمة العدل الدولية بوجود روابط البيعة بين الصحراويين وملوك المغرب و ثم توقيع معاهدة مدريد بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا تم بموجبها رسميا استرجاع الصحراء مع بقاء جزء منها تحت الإدارة الموريتانية.
1979: موريتانيا تتخلى رسميا عن الجزاء الخاص بها من الصحراء .
1984: الاتحاد العربي الأفريقي (اتفاقية وجدة) مع ليبيا .
1989: الإعلان في مراكش عن تأسيس اتحاد المغرب العربي.
1999: وفاة الملك الحسن الثاني.
1999: اعتلاء الملك محمد السادس العرش.
2003: ميلاد ولي عهد الملك محمد السادس الأمير الحسن.

هيثــــــم
12-13-2009, 12:34 PM
http://www.el-mouradia.dz/arabe/algerie/images/Algerie-up_01.jpg




كتاب تاريخ الجزائر في القديم والحديث للشيخ السلفي مبارك بن محمد الميلي

http://www.archive.org/details/Tarikh-Jazair (http://www.archive.org/details/tarikh_635)

شعب الجزائر مسلم و الى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله او قال مات فقد كذب
يا نشؤ أنت رجاؤنا و بك الصباح قد اقترب

التاريخ المبكر للجزائر




دلت الآثار التي تم اكتشافها بولايات مستغانم وتبسة (بئر العاتر) وقسنطينة (مشتى العربي) على أن الجزائر كانت آهلة بالسكان قبل 500,000 عام. ومع بداية الفترة الألفية الأولى قبل الميلاد، انتظم سكان المنطقة في قبائل استغلت الأراضي والمراعي جماعيًا، وكونت إمارات مثلت المراحل الفينقية الأولى ثم تأسست الدولة الجزائرية الأولى في القرن الثالث قبل الميلاد بقيادة سيفاكس ثم مسينيسا، وكانت الحروب البونية قد بدأت بين روما وقرطاج في ذلك الوقت وقد فتح سقوط قرطاج عام 146 ق.م الطريق أمام روما للتوسع خاصة وأنها كانت لا تستطيع تحمل وجود دولة قوية مستقلة وموحدة كالتي تركها مسينيسا وقد ساعد تفتت الدولة النوميدية وانقسامها بين الحلفاء المتنافسين روما لاحتلال نوميديا رغم المقاومة الطويلة التي أبداها يوغرطة (يوجورثا) وجوبا الأول، وكان ذلك في عام 25 ق.م لم يهادن شعب نوميديا الاحتلال لفترة خمسة قرون، وفشلت روما في التوغل أكثر من 150كم من ساحل نوميديا، رغم قوتها في الفترة البيزنطية، وتمكنها من طرد الوندال في عهد جستنيان حتى انحنت أمام الفتح الإسلامي.كانت الجزائر جزءًا من ولاية بلاد المغرب، التي كانت مدينة القيروان قاعدة لها، ضمن الدولة الإسلامية في العهد الأموي وفي مطلع العهد العباسي. لكن استقلال الأندلس عن بني العباس، ولجوء أصحاب المذاهب المناوئة لهم إلى الشمال الإفريقي، فتح الباب لظهور دويلات مستقلة في تلك الربوع النائية عن مركز الخلافة، وقد عرف تاريخ الجزائر في فترة ما بين منتصف القرن الثاني ومطلع القرن العاشر الهجري (آخر القرن التاسع إلى مطلع القرن السادس عشر الميلادي) بوقوعه تحت حكم دويلات مستقلة بالمغرب إمارات الخوارج. في سنة 160هـ، 777م نشأت في وسط المغرب الأوسط دولة صغيرة خارجية إباضية، خارجة عن القيروان التي كانت تحت حكم بني الأغلب الذين ظلوا مخلصين لبغداد. واستمرت هذه الدويلة قائمة بذاتها حتى سنة 296هـ، 909م، ليدخل المغرب الأوسط بعدها ضمن الدولة الفاطمية، التي ظهرت دعوتها قبيل هذا التاريخ في شرقي المغرب الأوسط نفسه، وامتدت إلى المغرب الأدنى لتخضع القيروان ثم تتخذ من مدينة المهدية عاصمة لها.وبقي المغرب الأوسط جزءًا من الدولة الزيرية التي انفصلت عن الخلافة الفاطمية سنة 435هـ، 1043م بعد انتقال مركزها إلى القاهرة المعزية. وقد دامت هذه الحالة من سنة 296هـ، 909م إلى 405هـ، 1014م، لينفصل فرع من بني زيري وهم بنو حماد بجزء من شرقي المغرب الأوسط عن القيروان، ويستقلوا بدويلة استمرت إلى سنة 547هـ، 1152م. وفي هذه الفترة كان الجزء الغربي من المغرب الأوسط قد دخل تحت سلطة المرابطين، الذين قامت دولتهم في المغرب الأقصى وامتدت شرقًا بهدف ضم كل بلاد المغرب وحمايته من الأخطار الأوروبية النصرانية، التي بدأت تهدد وجوده الإسلامي، وبخاصة من النورمنديين والأسبان والبرتغاليين. وقد واصلت دولة الموحدين هذا الدور، وكانت قد نشأت هي الأخرى بالمغرب الأقصى حوالي سنة 518هـ، 1124م، ونجحت في ضم كل المغرب العربي تحت سلطانها سنة 555هـ، 1160م. واستمرت هذه المرحلة إلى سنة 633هـ، 1235م، حيث قامت بتلمسان دولة بني عبد الواد، وهي دويلة انفصلت عن الدولة الموحدية واستمرت باسم الدولة الزيانية إلى حدود سنة 796هـ، 1394م. وتلت ذلك فترة من الاضطرابات امتدت إلى نهاية الثلث الأول من القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وانضواء البلاد تحت الخلافة العثمانية. وفي تلك الفترة خضعت أجزاء من بلاد المغرب الأوسط إلى الحفصيين تارة وإلى المرينيين تارة أخرى، واستعاد بنو زيان استقلالهم بتلمسان أحيانًا.الدولة الرستمية. . عندما بلغت آراء أصحاب النِّحَل من الخوارج بالمشرق العربي إلى الشمال الإفريقي، اغتنمت بعض القبائل البربرية، فرصة انشقاق كلمة المسلمين لحمل راية العصيان في وجه أمراء القيروان. وقد انتشرت حركة الخوارج بسرعة في كافة بلاد المغرب والأندلس التابعة لإمارة القيروان إذ ذاك، ومن أشهر انتفاضاتهم في العصر الأموي انتفاضة عكاشة الأصفري سنة 124هـ، 771م التي حاصرت مدينة القيروان.وفي سنة 160هـ، 777م أسس الخوارج دولتهم على جزء من المغرب الأوسط، متخذين من مدينة تاهرت عاصمة لها. وقد اختاروا عبد الرحمن بن رستم الفارسي الأصل إمامًا لهم، فسار سيرة حسنة وعرفت البلاد في عهده استقرارًا وازدهارًا. فلما مات سنة 171هـ، 788م اختارت القبائل الإباضية ابنه عبد الوهاب إمامًا، وخرجت عن تأييده بعض القبائل البربرية. وتولى بعده ابنه أفلح سنة 190هـ، 807م فحكم خمسين سنة رأى فيها الناس ما رأوا في عهد جده عبد الرحمن. وازدهرت الحركة الصناعية والتجارية.وقد أقام بنو رستم علاقات حسنة مع بني أمية بالأندلس وعقدوا معهم اتفاقيات، لكن علاقاتهم مع جيرانهم السنة بإفريقية والأدارسة بالمغرب الأقصى كانت مضطربة. وقد نازع بنو رستم الأدارسة عندما أعلنت قبيلة زناتة عصيانها للرستميين واحتماءها بالأدارسة، كما حاربوا الأغالبة الذين لم يكفوا عن محاولاتهم لإعادة توحيد بلاد المغرب العربي تحت سلطتهم باسم العباسيين. وتمكن الفاطميون من التغلب على تاهرت واحتلالها سنة 297هـ، 909، فتفرق الخوارج في مناطق مختلفة من إفريقيا والمغرب الأوسط كجبال نفوسة وجزيرة جربة وورفلة ومزاب.دولة بني عبد الواد. ظهرت هذه الدولة في نهاية الثلث الأول من القرن السابع الهجري (نهاية الثلث الأول من القرن الثالث عشر الميلادي)، واتخذت من تلمسان حاضرة لها. وأول من استقل بها أبو يحيى يغمراسن بن زيان، الذي بويع بعد مقتل أخيه زيان سنة 633هـ. وكانت الدعوة في تلمسان للموحدين، وقد ضعف أمرهم وثار عليهم صاحب إفريقية أبو زكرياء الحفصي ووصل بجيشه تلمسان، فخرج منها أبو يحيى يغمراسن ثم انتهى الأمر بينهما بالصلح. وأقبل بعد ذلك السعيد المؤمني من مراكش سنة 646هـ، 1248م يريد حرب الحفصي بإفريقية، فقاتل أبا يحيى يغمراسن لكن النصر كان لهذا الأخير، فقتل السعيد وغنم ما كان معه من ذخائر الدولة الموحدية وما كان لجيشه من متاع ومال. وكان ذلك بدء استقلال بني عبد الواد في تلمسان وما حولها من وسط غربي المغرب الأوسط. وكان يغمراسن أول من خلط زي البداوة بأبهة الملك في تلك الدولة، فكان محبًا للعلم ومجالسة العلماء، وقد استمرت إمارته أكثر من أربع وأربعين سنة (ت سنة 681هـ، 1283م).برزت تلمسان في ظل دولة بني عبد الواد كمركز ثقافي له أهميته، كما اشتهرت ببساتينها الغناء التي كانت منتجاتها تصدر عن طريق الموانئ الساحلية. وقد طمع جيرانها المرينيون والحفصيون في الاستيلاء عليها، فقد حاصرها أبو زكرياء الحفصي ودخلها سنة 640هـ، 1042م، وفرض عليها الولاء للحفصيين. وضمها المرينيون فعلاً بعد ذلك في سنة 737هـ، 1337م إلى أن أحيا الدولة أبو حمو الثاني 760هـ -791هـ، 1359- 1389م وأصبحت تُعرف بالدولة الزيانية، نسبة لبني زيان.وفي الوقت الذي كانت فيه تلمسان حاضرة المغرب الأوسط، كانت المدن الساحلية تكوّن دويلات مستقلة شبيهة بالدويلات القائمة بإيطاليا. وقد أدى ذلك إلى طمع القوى الأوروبية النصرانية في البلاد، فغزا الصقليون بعض مدنها الساحلية واحتلوها فترة خلال القرن السابع الهجري (الرابع عشر الميلادي)، واشتد الخطر الأسباني عليها منذ بداية القرن العاشر الهجري (نهاية القرن الخامس عشر الميلادي). وقد كان الأسبان آنذاك يحتلون سبتة ومليلة، فاتجهوا بحملاتهم البحرية العدوانية شرقًا من ساحل الجزائر إلى طرابلس الغرب. وترجع هذه الحملات، بالإضافة إلى تمكن الروح الصليبية في الأسبان، إلى هجرة مسلمي الأندلس إلى موانئ المغرب العربي ومساهمتهم في تنشيط حركة الجهاد البحري وفي شن الغارات على ساحل أسبانيا. وقد شنت القوات البحرية الأسبانية حملة على ميناء المرسى الكبير في غرب الجزائر سنة 1505م، واستولت على حجر باديس سنة 1508م، وعلى وهران وبجاية سنة 1509م، وأجبرت ميناءي دلس والجزائر على دفع إتاوة، وأقام الأسبان أمام هذه الأخيرة حصنًا على صخرة مواجهة عُرف بالبينون.وعجزت مملكة تلمسان الزيانية عن مواجهة الخطر الأسباني، بسبب ضآلتها وتعرضها في تلك الفترة لتفكك جديد واضطرابات داخلية. فانتهى بها الأمر إلى عقد صلح مع الأسبان سنة 1512م، اعترفت فيه باستيلائهم على عدة موانئ في غربي البلاد. ولم ينقذ هذه الأخيرة من الهاوية التي تردت فيها، إلا ظهور الأسطول العثماني في غربي البحر المتوسط، كقوة قادرة على وقف الخطر الأسباني وعاملة، فيما بعد، على توحيد المغرب الأوسط سياسيًا.الجزائر ولاية عثمانيةاجتذب الصراع بين الإسلام والنصرانية (الأسبانية خصوصًا) في الحوض الغربي للبحر المتوسط في أوائل القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) عددًا كبيرًا من البحارة المغامرين، الذي نشأوا في خدمة الأسطول العثماني، ثم راحوا يكوّنون أساطيل صغيرة تعمل لحسابهم الخاص وتجاهد ضد أعداء الدين. ومن هؤلاء الأخوان عروج وخير الدين الذي عُرِف ببربروسة، أي (ذي اللحية الحمراء). فقد بدأ الأول نشاطه في غربي البحر المتوسط حوالي سنة 916هـ، 1510م، وفتح له الأمير الحفصي موانئ إفريقية. ولما سمع أهل المغرب الأوسط بغاراته الناجحة على الأسبان استقدموه إلى بلادهم، ليساعدهم على استرداد بجاية أكبر موانئ شرق الجزائر آنذاك. ثم استدعاه حاكم ميناء الجزائر، فنجح مع قوة عثمانية صغيرة في صد هجوم أسباني عن المدينة سنة 922هـ، 1517م. وحين خان بعض أهل تلمسان عروجًا اضطر للفرار فتتبعته القوات الأسبانية وقتلته وهو في طريقه إلى الجزائر.تحرّج موقف خير الدين بالجزائر، فاستعان بالسلطان العثماني سليم سنة 924هـ، 1518م. فأرسل له السلطان ألفي إنكشاري وسمح لرعاياه بالتطوع في جيش المغرب، ودخلت الجزائر ضمن الولايات العثمانية. لكن كان على خير الدين أن يجاهد في جبهتين إحداهما ضد دول أوروبا وأسبانيا بخاصة، والأخرى توحيد البلاد في قوة إسلامية تواجه خصومه في المتوسط، فنجح في صراعه مع أوروبا وإلى قدر كبير في طرد الأسبان من الموانئ التي كانوا يحتلونها على سواحل المغرب الأوسط، باستثناء وهران التي ظلت تحت السيطرة الأسبانية حتى القرن الثامن عشر. وقد واجه في سبيل ذلك مؤامرات الحفصيين بإفريقية وبني زيان وغيرهم من القوى المحلية. لكن نجاحه سنة 936هـ، 1529م في القضاء على حصن البينون الأسباني، كان بداية حقيقية لتأسيس ولاية الجزائر وتحول ميناء الجزائر إلى عاصمة للمغرب الأوسط.وأصبحت الجزائر عاصمة للولايات العثمانية في شمالي إفريقيا، بعد انضواء كل من تونس وطرابلس الغرب تحت لواء السلطنة العثمانية. فكان ممثل الدولة فيها يحمل لقب بيلرباي أي (رئيس البايات)، لكن هذا الإشراف لم يدم طويلاً. على أن تبعية ولاية الجزائر وغيرها من ولايات لم يقف عند حد الإدارة المحلية، بل تجاوز ذلك إلى التحكم في اختيار الولاة. فقد شهدت الجزائر تغيرات عدة في نظام الحكم، بحيث يمكن تمييز أربع مراحل هي: عهد النيابة (922 ـ 977هـ، 1516 ـ 1588م) حكم فيه البيلربايات فسيطروا على جند الإنكشارية والبحرية، عهد الباشوات (997 ـ 1070هـ، 1588 ـ 1659م) أصبحت فيه الجزائر ولاية عادية، وفقد الباشوات السيطرة على الإنكشارية، فانتقلت السلطة الفعلية إليهم في عهد حكم الأوجاق وهو المجلس الأعلى للجند (1070 ـ 1082هـ، 1659 ـ 1672م)، وقد انتشرت الفوضى مما جعل رؤساء البحر يضعون حدًا لسيطرة الإنكشارية فبدأ عهد الدايات (1082 ـ 1246هـ، 1672 ـ 1830م). وقد كانت الخلافة العثمانية تصادق على جميع هذه التغييرات، وظلت مستمرة على إرسال الباشوات الذين يمثلونها في الجزائر، حتى قرر علي داي سنة 1122هـ، 1710م إخراج الباشا من البلاد، ومنذ ذلك الوقت حمل الدايات لقب الباشا مع لقب الداي.لم يقم نظام الحكم المحلي بالجزائر العثمانية على إدارة مباشرة، فاعتمد خارج المدن على تحالفات مع القبائل. وتركت الإدارة المركزية بعض التكتلات القبلية القوية دون التدخل في شؤونها، مكتفية بتلقي إتاوة غير منتظمة من بعضها. كما اشتهرت بعض القبائل بالتخصص في الخدمة العسكرية لدى العثمانيين مثل قبيلة زواوة. وظهرت طبقة خاصة من الجند العثمانيين تُعرف بالكورغلي، ناتجة عن زواج جند الأتراك من نساء محليات، عهد لها بالمحافظة على الأمن في الأقاليم. ولما استقر نظام الدايات تكون في مدينة الجزائر ديوان شبيه بمجلس الوزراء. وكان الداي يتخذ مقره في أعلى مدينة الجزائر بضاحية تُعرف بالجنينة، إلى أن انتقل عمر باشا سنة 1815م إلى القصبة في أسفل المدينة على البحر ليكون في مأمن من الاضطرابات.وقد تجمعت لدى الدايات ثروة ضخمة من الهدايا التي كان يقدمها قناصل الدول الأجنبية، ومن نصيبهم من غنائم البحر، ومما يتلقونه من إتاوات لقاء تعيين حكام الأقاليم والنواحي. وازدهرت مدينة الجزائر وخاصة في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين (القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين)، وبلغ سكانها حوالي مائة ألف نسمة. ولكن شأنها أخذ يتضاءل خلال القرن الثاني عشرالهجري (القرن الثامن عشر الميلادي)، حتى وصل عدد سكانها إلى ثلاثين ألفًا سنة 1246هـ، 1830م عندما احتلها الفرنسيون.كانت علاقات الجزائر مع أوروبا سيئة في معظم فترات حكم الدولة العثمانية، وذلك بسبب الروح الصليبية التي تزعمتها أسبانيا وحركة الجهاد في البحر التي تزعمتها الجزائر، وهي ما ينعتها الأوروبيون بالقرصنة ظلمًا وقد هيأ موقع الجزائر وطول سواحلها لحكومتها تفوق بحري تجلّى خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين (القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين) في امتلاكها أسطولاً ضخمًا من أحدث أساطيل العالم وأقواها، تجاوز نشاطه البحر المتوسط إلى بحار الشمال، وكان يدر أرباحًا طائلة على المساهمين فيه بسبب ما يأتي به من غنائم وأسرى، حتى عدت مسألة استرقاق الأسرى وافتدائهم من أهم المسائل التي شغلت العلاقات بين الجزائر وأوروبا. وأذل أسطول الجزائر كثيرًا من الدول الأوروبية وأجبرها على دفع إتاوات وهدايا لحكامها نظير تأمين ملاحتها في المتوسط، ولا تكاد تخرج دولة منها عن هذا الالتزام. واستمرت بعض الدول تدفع ما عليها من إتاوات بصورة منتظمة حتى تدهورت قوة الجزائر البحرية قبيل الغزو الفرنسي، أما فرنسا فقد كفت عن تقديم الهدايا منذ عهد نابليون. ورغم ما بدا على تلك القوة البحرية من علامات الضعف منذ مطلع القرن الثاني عشر الهجري (نهاية القرن السابع عشر الميلادي)، فإن الدايات لم يكفوا عن العمل من أجل تخليص البلاد من الاحتلال الأسباني. لكن ذلك لم يتحقق نهائيًا إلا على يد الداي محمد باشا (1183- 1203هـ، 1769- 1788م) الذي اشتهر بجهاده البحري ضد الأسبان، وقد تكلل جهاده بخيبة ملك أسبانيا شارل الثالث في ثلاث حملات بحرية متتالية شنها على الجزائر في عهد ذلك الداي بين سنتي 1189- 1200هـ، 1775- 1785م، وبتسليم ميناء وهران إلى حسان داي سنة 1206هـ، 1791م.


(http://s128.photobucket.com/albums/p165/3ola4/dividers/others/?)


الجزائر مستعمرة فرنسية




جمعت الدول الأوروبية قواها لإرغام الجزائر على التوقف عن تعرضها لسفن تلك الدول، فهاجمت البحريتان البريطانية والهولندية الأسطول الجزائري سنة 1231هـ، 1815م فأصبحت سواحل الجزائر مكشوفة لهجمات الأعداء.وقد دفعت فرنسا لاحتلال الجزائر عدة أسباب، منها فقدان فرنسا لمستعمراتها خلال حروب نابليون ورغبتها في تكوين إمبراطوريتها من جديد، وقد لقيت في ذلك تأييد دول أوروبا من وجهة نظر صليبية. كما أن الملك الفرنسي تشارل العاشر كان يعاني من تفاقم المعارضة الداخلية ضده، فرأى أن يصرف أنظار شعبه إلى الخارج بافتعال الحرب ضد الجزائر ويكسب نصرًا سهلاً. أما السبب المباشر فيكمن في أن فرنسا كانت قد مرت بضائقة اقتصادية شديدة إبان حروب نابليون وعداء الدول الأوروبية لها، فساعدتها الجزائر بأن باعتها حبوبًا بأثمان مؤجلة، وكان التاجران اليهوديان الأخوان بوشناق قد قاما بدور الوساطة في تلك الصفقة، فتآمرا وتلكأت فرنسا في دفع ما عليها، وألح داي الجزائر في الخلاص، فكانت حادثة المروحة التي اتخذتها فرنسا مبررًا لاحتلال الجزائر. لقد ادعت فرنسا أن قنصلها أهين من قِبَل الداي حسين في موكب رسمي، عندما جاء يهنئ هذا الأخير بعيد فطر سنة 1242هـ (28/ 4/1827م) فخاطبه بشأن الدين وغضب لرد ذلك القنصل، فضربه بكشاشة الذباب على وجهه. وجرت أحداث عدة وتهديد من فرنسا للداي بحصار إن لم يقدم اعتذارًا مهينًا عن الواقعة، ورفض الداي تقديم الاعتذار. وأخيرًا شنت حملة بحرية ضخمة على الجزائر، شاركت فيها 503 سفينة تحمل أربعين ألف جندي وثلاثة آلاف مدفع.أنزلت الحملة الفرنسية قواتها بضاحية سيدي فرج، وهزمت جند الجزائر بعد خمسة أيام من المعارك، فدخلت مدينة الجزائر يوم 14/1/1246هـ (5/7/1830م). لكن سقوط مدينة الجزائر بتلك السهولة لم يؤد إلى خضوع البلاد، وإنما دفعها للسير في اتجاهين متوازيين: اتجاه الفرنسة والإلحاق الذي تبنته السلطات الاستعمارية، واتجاه المقاومة والجهاد الذي التزم به الشعب الجزائري واستمات فيه.عمدت فرنسا إلى إلحاق الجزائر بها، وعينت عليها حاكمًا عامًا فرنسيًا يرجع بالنظر إلى وزارة الداخلية. وعملت جهدها لفَرْنَسَة البلاد، عن طريق محاولة فَرْنَسَة عرب الجزائر من ناحية، وجلب أعداد كبيرة من المهاجرين الأجانب عامة، والفرنسيين خاصة، ليستوطنوا الجزائر من ناحية أخرى. ولما أبدى الجزائريون رفضهم للتفرنس، عملت فرنسا على إبادتهم وتشريدهم ونشر الجهل والفقر بينهم. ومن الأساليب التي اتبعتها لتحقيق تلك الأهداف، محاربة اللغة العربية والدين الإسلامي بغلق الكتاتيب القائمة ومنع انتشار المدارس الأهلية، وفرض اللغة الفرنسية وحدها في التعليم، وبهدم المساجد وتحويل بعضها إلى كنائس (من أبرزها الجامع الكبير بمدينة الجزائر). والاستيلاء على مصادر الثروة، ومن ذلك مصادرة الأراضي الخصبة سواء أكانت ملكيات خاصة أم أراضي أوقاف أم أراضي جماعية للقبائل، لتسلمها إلى المستوطنين الأجانب. وقد فرض دستور سنة 1339هـ، 1920م الجنسية الفرنسية على الجزائريين، وكانت فرنسا بعد صدور هذا الدستور تفرض على الجزائريين واجبات المواطن الفرنسي كالخدمة العسكرية لكنها تحرمهم حقوق المواطنة، وتمارس عليهم تفرقة عنصرية ودينية. وبموجب تلك السياسة ساقت فرنسا عشرات الآلاف من شباب الجزائر إلى جبهات القتال أثناء الحربين العالميتين الأولى (1914 - 1918م) والثانية (1939 - 1945م)، وأجبرتهم على القتال في حروبها الاستعمارية لقمع انتفاضات شعوب المستعمرات الفرنسية في سوريا وإفريقيا والهند الصينية. تمسك الجزائريون بعروبتهم وإسلامهم، وقاوموا مائة و اثنين وثلاثين عامًا جنود الاحتلال قدموا فيها ما لا يقل عن مليون من الشهداء حتى أرغموا المستعمر على التسليم.المقاومة الجزائرية للاحتلالبدأت المقاومة الجزائرية للاحتلال الفرنسي منذ سنة 1246هـ، 1830م أولى سنوات الاحتلال نفسها. وكانت على نوعين: مقاومة رسمية ومقاومة شعبية. وقد بدأ النوع الأول داي الجزائر واستمر بعد سقوط مدينة الجزائر في غرب القطر الجزائري بقيادة حسن باي وهران إلى أواخر 1249هـ، 1833م، وفي شرق القطر بقيادة باي قسنطينة إلى سنة 1253هـ، 1837م. وبدأ النوع الثاني من المقاومة عندما بايعت قبائل منطقة وهران في غرب الجزائر في صيف 1248هـ، 1832م الأمير عبد القادر بن محيي الدين ليقودها في الجهاد ضد الفرنسيين، فقادها في حركة مقاومة استمرت إلى سنة 1260هـ، 1844م. وقد سيطر عبد القادر على ثلثي أراضي الجزائر متخذًا من مدينة معسكر عاصمة له وأنشأ فيها مصانع حربية أيضًا، واستطاع أن يحصر المستعمر الفرنسي على الساحل غير قادر على التوغل إلى عمق البلاد، مما ألجأ هذا الأخير إلى سياسة المكر والمفاوضة، فعقد مع الأمير عبد القادر معاهدتين، واحدة سنة 1250هـ، 1834م وثانية سنة 1253هـ، 1837م، تمكن بينهما الجنرال كلوزل من احتلال مدينة معسكر. ولما عاد القتال بعد المعاهدة الثانية في سنة 1255هـ، 1839م اضطر الأمير إلى الانسحاب إلى المغرب الأقصى للاستنجاد بسلطانه. لكن الفرنسيين أجبروا هذا الأخير على عقد صلح معهم سنة 1260هـ، 1844م التزم بموجبه بإجلاء الأمير عبد القادر، الأمر الذي هيأ لاستسلامه سنة 1261هـ، 1845م وأسره فبقي في الأسر حتى 1301هـ، 1883م.لم تهدأ القبائل فتتالت الانتفاضات الشعبية، وشن الجنرال راندون حملات انتقامية ضد القبائل الجزائرية مرتكبًا بحقها فظاعات يندى لها جبين الإنسانية. ومن تلك الانتفاضات انتفاضة بني سناسن سنة 1276هـ، 1860م، وانتفاضة أولاد سيدي الشيخ من 1281 إلى 1284هـ (1864 - 1867م)، وانتفاضة المقراني من نهاية 1287هـ إلى أواخر 1288هـ (1871 - 1872م). وقد كانت هذه الانتفاضة الأخيرة من أكثر الانتفاضات خطرًا على فرنسا، لأنها تصادفت مع هزيمة فرنسا أمام ألمانيا سنة 1870م، ودخول القوات الألمانية باريس وقيام انتفاضة الكمونة ضد الحكومة في العاصمة الفرنسية نفسها. وتميزت انتفاضة المقراني بشدتها واتساع رقعتها، ذلك أنها اندلعت شرقي القطر الجزائري فعمت جبال القبائل أولاً وإقليم قسنطينة ثم امتدت حتى أطراف سهل الميتجة غربًا وبسكرة جنوبًا، وأصبحت تسيطر على ثلث أراضي الجزائر. إلا أن عمرها كان قصيرًا، فقد استشهد أبرز زعمائها محمد أحمد المقراني في المعارك الأولى في الحادي عشر من فبراير عام 1871م، مما شتت الأطراف التي شاركت في هذه الانتفاضة ودفعها للمفاوضة من أجل التسليم، رغم أن بومرزاق المقراني، الذي خلف أخاه في زعامة الانتفاضة قد واصل الكفاح المسلح حتى أسرته القوات الفرنسية ومن بقي من أتباعه في شهر ذي القعدة 1288هـ (يناير 1872م). وقد تلت هذه الانتفاضة أكبر محاكمة من نوعها في فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وكانت أحكامها ذات طابع انتقامي، هدف إلى ردع الوطنيين حتى لا يحدّث أحدٌ نفسه بالانتفاضة مستقبلاً. وقد تمثلت في صدور 6,000 حكم بالإعدام خفف معظمها فيما بعد إلى الإبعاد إلى جزيرة كاليدونيا الجديدة الفرنسية جنوبي المحيط الهادئ، وشمل ذلك الإبعاد بومرزاق وأسرة الشيخ الحداد. وفرض غرامات مالية باهظة على القبائل التي شاركت في الانتفاضة بلغت 36,5 مليون فرانك ومصادرة 500 ألف هكتار من أراضي تلك القبائل سلمت للمستعمرين. وقد كان لأساليب القمع الوحشية التي واجهت بها السلطات الفرنسية الأهالي أثناء الانتفاضة وبعدها أثر في بث روح اليأس في نفوس الجزائريين؛ فبعد انتفاضة أولاد سيدي الشيخ بزعامة بوعمامة سنة 1298هـ، 1881م، التي أخضعت بعدها فرنسا المناطق الصحراوية وأعلنت ضم واحات المزاب، ساد الهدوء البلاد الجزائرية حتى الحرب العالمية الأولى.



(http://s128.photobucket.com/albums/p165/3ola4/dividers/others/?)



الحركة الوطنية الجزائرية

(http://s128.photobucket.com/albums/p165/3ola4/dividers/others/?)


تأخر ظهور فكرة الوطنية في الجزائر إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى ببضع سنوات. وذلك راجع إلى مدى الضرر الذي لحق بالثقافة العربية، وإلى ضآلة الطبقة المتوسطة بتلك البلاد، نتيجة انتزاع الاستعمار لمصادر الثروة من أيدي سكانها ووضعها بأيدي المستوطنين الأجانب. ومع ذلك فلم تعدم الجزائر بقية من مجتمعها العربي الإسلامي العريق. فظل أفرادها يرنون إلى دار الخلافة على أنها المخلص الطبيعي، ودعوا إلى فكرة الجامعة الإسلامية لمواجهة الاستعمار الأوروبي. وقد تزعم هذه الحركة بالجزائر سنة 1328هـ، 1910م المحامي أحمد بوضربة والصحفي الصادق دندان ورجل المال الحاج عمار. وفي سنة 1330هـ، 1912م قدم أربعة من الشبان الجزائريين، عريضة إلى الحكومة الفرنسية يطالبون فيها برفع القوانين الاستثنائية، والتسوية بين الجزائريين والفرنسيين في الحقوق والواجبات. وكانت هذه هي الخطوة الأولى نحو ما يعرف بسياسة الإدماج. وأثناء الحرب العالمية الأولى جندت فرنسا عشرات الآلاف من الجزائريين، أشركت آلافًا منهم في القتال على الجبهات وأرسلت الآخرين للعمل في المصانع الحربية والمناجم، وأتيح لعدد من الضباط الجزائريين الترقي إلى رتب عالية في الجيش الفرنسي حتى رتبة عقيد. وقد عقد هؤلاء الآمال على مؤتمر فرساي، فتزعموا بعد الحرب، وفي مقدمتهم الأمير خالد بن محي الدين أحد أحفاد الأمير عبد القادر، الدعوة للإصلاح على أساس بقاء الجزائر جزءًا من الأراضي الفرنسية. فألف الأمير ما أسماه بكتلة المنتخبين المسلمين الجزائريين، التي ركزت أهدافها في إصلاح الأحوال الاجتماعية وإيقاف هجرة المستوطنين ومساواة الجزائريين بالفرنسيين في الانتخاب والتمثيل في المجالس بمختلف مستوياتها. وأصدرت الكتلة جريدة الإقدام للمناداة بفكرة الإدماج. بيد أن الأمير تعرض للإبعاد، ولما سمح له بالعودة إلى فرنسا سنة 1336هـ، 1928م، اتصل بوطنيين جزائريين ومغاربة من أجل العمل المشترك على مستوى المغرب العربي. وهي الفكرة نفسها التي نادى بها من قبل الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي ذو الأصل الجزائري ورفاقه، وعمل من أجل تجسيدها مناضلون تونسيون وجزائريون منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. ومن مظاهرها إصدار محمد باش حانبة في جنيف مجلة المغرب وتأسيسه لجنة لتحرير تونس والجزائر سنة 1334هـ، 1916م، التي وجه باسمها برقية إلى مؤتمر فرساي فيما بعد. وفي السنة نفسها أسس أخوه علي باش حانبة في الآستانة لجنة لتحرير المغرب العربي إلى جانب منظمة لتنظيم فيلق من الجنود المغاربة الذين أسرتهم الجيوش العثمانية والألمانية قصد إعدادهم لخوض معركة تحرير مسلحة في تونس والجزائر. وقد سار مصالي الحاج على فكرة النضال نفسها على مستوى المغرب العربي في بداية عمله السياسي. ومع أن الحركة السياسية في الجزائر قد ألغت فكرة الإصلاح ضمن الحماية الفرنسية من برنامجها منذ سنة 1330هـ، 1912م، إلا أن فئة قليلة ظلت متشبثة بها، فقد بقيت فكرة الإدماج مسيطرة بين المثقفين الجزائريين إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. ومن أشهر هؤلاء فرحات عباس وابن جلول والأخضري، ومعظمهم أعضاء في المجالس البلدية أو مجالس الوفود المالية أو موظفون بالإدارة. ففي سنة 1930م ألف هؤلاء اتحاد المنتخبين المسلمين بزعامة ابن جلول، وكان هدفه الأساسي الإدماج التدريجي تحت قيادة النخبة من المثقفين في الحياة الفرنسية وتحسين أحوال الجزائريين. وقد لقي هذا الاتجاه تشجيعًا كبيرًا من حكومة الجبهة الشعبية الفرنسية سنة 1355هـ، 1936م، وعندما وضع رئيس الحكومة بلوم مع الوزير فيوليت مشروعًا يقضي بمنح الجزائريين حق المواطنة الفرنسية تدريجيًا مع اتخاذ إجراءات احتياطية، أيدته جماعة الاتحاد، لكن البرلمان الفرنسي بعد سقوط حكومة بلوم رفض ذلك المشروع على الرغم من عدم توفره على الحد الأدنى من حقوق الشعب الجزائري. ولما يئس الإدماجيون بتعاقب الحكومات اليمينية على السلطة بفرنسا، سعوا للتكتل مع الاتجاهات الوطنية الأخرى.ومن هذه الاتجاهات نذكر جماعة العلماء الذين كان لهم أثر مهم في إرساء القواعد النظرية لفكرة الوطنية الجزائرية القائمة على العروبة والإسلام. ففي سنة 1344هـ، 1926م أسس بعض الشيوخ العلماء نادي الترقي في مدينة الجزائر بقصد إحياء التراث العربي، وتركزت جهودهم على المحافظة على طهر العقيدة الإسلامية من الشوائب والبدع الدخيلة، ومقاومة الطرقية التي خدم عديد من زعمائها الاستعمار الفرنسي. ومن هنا اعتبرت حركة العلماء الجزائريين واحدة من حركات الإحياء السلفي، وقد كان لكثير من أعضائها اتصالات بالحركات الإصلاحية في المشرق العربي. فالشيخ الطيب العقبي مثلاً تلقى تعليمه بالحجاز وعمل زمنًا مع الملك عبد العزيز آل سعود. كما كان لكتابات الشيخ محمد عبده ورشيد رضا تأثير كبير في توجيه أفكارهم. وفي سنة 1350هـ، 1931م أسس العلماء الجزائريون بمدينة قسنطينة جمعية رسمية برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهو من خريجي جامع الزيتونة بتونس. وقام الطيب العقبي على نشر أفكار تلك الجمعية في إقليم الجزائر، والبشير الإبراهيمي في وهران الذي تولى رئاسة الجمعية بعد وفاة مؤسسها سنة 1358هـ، 1940م.كان ابن باديس قد أصدر مجلة الشهاب ثم مجلة البصائر، وافتتحت الجمعية عددًا من المدارس وأرسلت البعثات إلى جامعات الزيتونة والأزهر والقرويين وإلى مدارس الشام والعراق، مما مهد لإحداث فروع لجامع الزيتونة ببعض المدن الجزائرية. وكان شعار الجمعية شعب الجزائر مسلم وللعروبة ينتسب. وطالبت هذه الجمعية في مؤتمرها التاسع بالاعتراف باللغة العربية لغة وطنية ومنح حرية الدين والعبادة وإعادة الأوقاف إلى الإدارة الإسلامية وتنظيم المحاكم الشرعية. وقد استقال الشيخ العقبي منها سنة 1356هـ، 1937م لأنها رفضت تجديد الولاء لفرنسا.ومن هذه الحركات الوطنية حركة هيئة نجم شمال إفريقيا، التي أسسها مصالي الحاج بباريس سنة 1344هـ، 1925 ـ 1926م، وأصبح رئيسًا لها سنة 1345هـ، 1927م. وقد سيطر العمال الجزائريون على النجم. وتعرض النجم للحل من قِبَل الحكومة الفرنسية سنة 1929م، فانتقل للعمل السري. وعاد إلى الظهور من جديد سنة 1352هـ، 1933م، فعقد مؤتمرًا عامًا بفرنسا صدر عنه قرار مطول يتألف من قسمين: قسم أول طالب بالحريات الأساسية للجزائريين وبإلغاء جميع القوانين الاستثنائية وفي مقدمتها قانون السكان الأصليين، وبمساواة الجزائريين بالمستوطنين في التوظيف وتطبيق قوانين العمل وفي التعليم، مع جعل التعليم إلزاميًا وبالعربية، واعتبار اللغة العربية رسمية بالدوائر الحكومية. وقسم ثان نص على المطالبة بالاستقلال الكامل للجزائر وجلاء القوات الفرنسية، وتأليف جيش وطني وجمعية تأسيسية منتخبة تتولى وضع دستور للبلاد، وحكومة ثورية وطنية. كما نص على أن تملك الدولة جميع وسائل الإنتاج والمرافق العامة وإعادة الأراضي إلى الفلاحين الجزائريين، مع مساعدتهم بتقديم القروض لهم. وبذلك سبق نجم شمال إفريقيا، بحكم نشأته العمالية. وقد قابلت فرنسا تلك المطالب بحل النجم، فأعاد مصالي الحاج تكوينه في سنة 1934م باسم جديد هو الاتحاد الوطني لمسلمي شمال إفريقيا. لكن السلطات الفرنسية اعتبرته هيئة غير مشروعة وحكمت على مصالي الحاج بالسجن. بعد ذلك تعرف هذا الأخير في جنيف بسويسرا على الأمير شكيب أرسلان وتأثر به، مما جعله يعارض اقتراحات بلوم ـ فيوليت ويزيد في الاتصال بالحركة الإصلاحية الجزائرية. وعندما عاد مصالي الحاج إلى الجزائر في صيف 1355هـ، 1936م رأت حكومة الجبهة الشعبية الفرنسية في هذه الحركة منافسًا خطيرًا لها في أوساط الشباب الجزائري، فحلتها في 19 شوال 1356هـ، 2/1/1937م لتظهر من جديد بفرنسا في محرم 1357هـ، مارس 1937م باسم حزب الشعب الجزائري، الذي تعرض زعماؤه، بمن فيهم مصالي الحاج، للاعتقال والمحاكمة والسجن، وذلك بعد مشاركتهم في الانتخابات البلدية بالجزائر.وتجدر الملاحظة بأن الاتجاهات المختلفة العاملة على الساحة الجزائرية بدأت تحاول التقارب فيما بينها بعد خيبة الأمل التي ألحقتها حكومة الجبهة الشعبية بالجزائريين. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية وتولت حكومة المارشال بيتان الحكم في فرنسا، بعد توقيع الهدنة مع ألمانيا في جمادى الأولى 1359هـ، يونيو 1940م، سلكت مسلكًا عنصريًا تمثل في إبعاد العرب عن أي نشاط سياسي، وحكمت على مصالي الحاج سنة 1941م بالسجن ثم نفته إلى جنوب الجزائر. مما دفع الوطنيين الجزائريين للعمل على الاتصال بجند الحلفاء عندما نزلوا بالجزائر في 2/11/1361هـ، 11/11/1942م. وقد ظهر فرحات عباس في مقدمة الحركة الوطنية الجزائرية خلال السنوات الباقية للحرب 1942-1945م، وبدأ نشاطه عندما تقدم مع 22 من أعضاء مجالس الوفود المالية بعدد من المطالب إلى القيادة الأمريكية والسلطات الإدارية الفرنسية. ومع أن أصحاب العريضة حاولوا استرضاء تلك السلطات بتقديم مذكرة أخرى معتدلة فإنها تمسكت بموقفها الرافض للحوار، الأمر الذي جعلهم يصدرون بيانًا في 26/1/1362هـ، 2/2/1943م أصبحوا يعرفون به أصدقاء البيان.وقد بدأ البيان بسرد قائمة حساب عن الاحتلال الفرنسي وكيف أدى إلى تلك الحالة المحزنة من البؤس والجهل، وطالب بحياة وطنية ديمقراطية للجزائر. ثم أردف أصدقاء البيان بيانهم بملحق تضمن مقترحات تطالب بدولة جزائرية مستقلة استقلالاً ذاتيًا وانتخابات جمعية تأسيسية لوضع دستور لتلك الدولة، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يحول دون تنظيم اتحاد لشمال إفريقيا مع المغرب وتونس. بيد أن الحاكم العام الفرنسي الجديد، الجنرال كاترو، رفض هذه المطالب جميعها، وحل الهيئات التي يشترك فيها الجزائريون، وفرض الإقامة الجبرية على فرحات عباس وغيره من الزعماء. وقد حاول الجنرال ديجول في تصريحه بمدينة قسنطينة في ذي الحجة 1362هـ، ديسمبر 1943م استرضاء الوطنيين، وأصبح ذلك أساسًا لقانون مارس 1944م الذي رفضته جماعة فرحات عباس، واشترك معها في رفضه جماعة العلماء ومصالي الحاج، مما هيأ لنجاح فرحات عباس في عقد مؤتمر شامل في 1364هـ، مارس 1945م حضرته الجماعات الثلاث بهدف توحيد الكفاح الوطني، الأمر الذي أثار المستوطنين، فردوا بمذبحة قسنطينة في جمادى الثانية 1365هـ، مايو 1945م، التي اشتركوا فيها مع الجيش الفرنسي في إبادة ما قدره الجزائريون بخمسة وأربعين ألف جزائري، وقدره الضباط الفرنسيون أنفسهم بما يتراوح بين ثمانية وعشرة آلاف ضحية. كما تلا المذبحة إعلان الأحكام العرفية وقبض على 4,500 من أعضاء الحركة الوطنية وزعمائها، فحكم على 90 منهم بالإعدام ونفذ فيهم، وعلى 64 بالأشغال الشاقة المؤبدة. وقد أنذرت هذه الأحداث الجزائريين بأن النضال السياسي لن يجدي كثيرًا، خاصة وأن الحكومات الفرنسية كانت أقل إدراكًا للتطور الذي شهده العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد أثبتت جميع الإجراءات التي اتخذت لمواجهة الحركة الوطنية الجزائرية تمسك فرنسا بالسيادة على الجزائر، ولم تخرج جميع الحلول الفرنسية عن هذا الاتجاه قبل مشروع ديجول لسنة 1959م. وحتى قانون 20/9/1947م، 16 ذي القعدة 1366هـ الذي يعتبره الفرنسيون حلاً وسطًا بين وجهة نظر اليمين المتطرف الذي يرغب في بقاء الوضع بالجزائر دون تغيير، وبين وجهة نظر اليسار الذي جعل الاندماج أساسًا لسياسته الجزائرية، مع تعبيره عن استعداده للقبول بجميع النتائج التي تترتب عن الإدماج الحقيقي، ومنها أن يكون للجزائر حق انتخاب خمسة أعضاء في مجلس النواب الفرنسي. إلا أن الحكومة الفرنسية لم تطبق هذا الحل. وقد أبطل الحاكم العام نيجيلين بعض الإجراءات الإصلاحية التي أدخلها سلفه شاتينيو، وأصبح تدخل الإدارة في الانتخابات الجزائرية مثلاً يضرب على التزييف. فجاءت انتخابات المجلس الجزائري (وهو صورة جديدة لمجلس الوفود المالية السابق) في عهد الحاكم العام المذكور بهزيمة ساحقة للحزبين الوطنيين الرئيسيين، حركة الانتصار للحريات الديمقراطية الذي يتزعمه مصالي الحاج، والاتحاد الديمقراطي لأنصار البيان الجزائري الذي يتزعمه فرحات عباس. وكذلك كان الحال في الانتخابات البرلمانية للدورة التشريعية الثانية سنة 1951م. الأمر الذي جعل الأحزاب الجزائرية تتفق على نبذ فكرة النضال عن طريق المؤسسات النيابية الفرنسية، وتحاول تأسيس جبهة وطنية. وقد نجحت في عقد مؤتمر بينها سنة 1951م، لكن خلافات ظهرت بين العناصر الرئيسية بخصوص المبادئ وطريقة تنظيم العمل من أجل استقلال الجزائر. وحينذاك شرع بعض أعضاء حركة الانتصار للحريات فعلاً في تشكيل قوة عسكرية سرية أسموها المنظمة الخاصة، كان من بين أعضائها أحمد بن بيلا وحسين آيت أحمد ومحمد خيضر، أخذت في جمع الأسلحة وقامت ببعض العمليات. وقد نجح فريق الشبان الذي سيطر على اللجنة المركزية للحركة في الدعوة لمؤتمر في صيف 1953م ببلجيكا، دعت فيه اللجنة إلى تحديد المبادئ السياسية للحزب بما فيها تنظيم دقيق لمراحل الكفاح من أجل الاستقلال التي ستنتهي بالثورة المسلحة.



(http://s128.photobucket.com/albums/p165/3ola4/dividers/others/?)



الثورة الجزائرية الكبرى




شهدالجزائريون سنة 1954م (1373- 1374هـ) كيف بدأ الكفاح المسلح في تونس والمغرب الأقصى يعطي ثماره. وقد قدر عدد الجزائريين العاملين بالجيش الفرنسي في تلك السنة بـ 160 ألفًا، شارك منهم عشرات الآلاف في حرب الهند الصينية، ورأوا بأنفسهم كيف حققت ثورة وطنية آسيوية نصرًا كاسحًا على الاستعمار الفرنسي. وكانت أوضاع الجزائريين في ظل الاستعمار تزداد سوءًا، بحيث قدرت الإحصائيات الرسمية عدد العاطلين منهم عن العمل ما بين 900 ألف ومليون ونصف المليون. وكان أكثر من خمسة ملايين فدان من أخصب الأراضي الزراعية الجزائرية بيد 21,659 مستوطن أوروبي، في حين كان 6,3 ملايين يعيشون على استثمار عشرة ملايين فدان فقط. ولم تكن المدارس لتستوعب أكثر من ثُمْن الأطفال الجزائريين الذين هم في سن الدراسة، وما كان يصل منهم إلى المرحلة الثانوية أكثر من العُشر. ولم يترك لأهل البلاد من الوظائف الإدارية سوى أربعة آلاف من مجموع 26 ألفًا. كل هذه الظروف هيأت التربة الصالحة لاحتضان ثورة ليلة الرابع من ربيع الأول 1374هـ (غرة نوفمبر 1954م) ونجاحها.ففي أوائل سنة 1954م كانت قد تشكلت اللجنة الثورية للاتحاد والعمل من مجموعة شبان، كان معظمهم أعضاء في حركة الانتصار للحريات وعملوا في الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية. منهم أحمد بن بيلا، وحسين آيت أحمد ومحمد بوضياف. وفي صيف السنة نفسها عقدت اللجنة مؤتمرًا سريًا بأوروبا الغربية، واتخذت قرارًا بإعلان الثورة. وفي ليلة الأول من نوفمبر نسق الوطنيون حوالي 30 هجومًا في جميع أنحاء الجزائر على أهداف عسكرية مختلفة ومراكز للشرطة. وتلا ذلك تكوين لجان ثورية متفرقة اندمجت جميعًا في هيئة واحدة باسم جبهة التحرير الوطني الجزائري. وبلغت الثورة أوج قوتها من حيث امتداد سلطتها على أكبر رقعة من الأرض في سنة 1956م، كما امتد نشاطها إلى الأراضي الفرنسية نفسها منذ صيف 1958م. وقد سيطر القادة العسكريون على الجبهة في مرحلتها الأولى، إلى أن قرر مؤتمر وادي الصمام، الذي انعقد داخل الجزائر في 20 أغسطس 1956م، إنشاء المجلس الوطني للثورة. فأصبح هذا المجلس يمثل أعلى جهاز بجبهة التحرير، يوجه سياسة الجبهة ويتخذ القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد، وله وحده الحق في إصدار أمر وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى لجنة التنسيق والتنفيذ التي أصبحت مسؤولة عن توجيه جميع فروع الثورة العسكرية والسياسية والدبلوماسية وإدارتها، وأصبح جميع القادة العسكريين والسياسيين القائمين بالنشاط الثوري مسؤولين بصورة مباشرة أمامها. ثم تقرر في مؤتمر طنجة في أبريل 1958م، بالاتفاق مع حكومتي تونس والمغرب، تأسيس حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية، وأعلن عن تكوينها فعلاً يوم 19 سبتمبر 1958م (5 ربيع الأول 1378هـ) برئاسة فرحات عباس. وقد تولى رئاستها بعده يوسف بن خدة في أغسطس 1961م (1381هـ). كما بعثت جبهة التحرير الاتحاد العام للعمال الجزائريين، واتحاد الطلاب الجزائريين، واتحاد التجار وصغار رجال الأعمال الوطنيين، وأصدرت مجلة عربية تتحدث باسمها تُدعى المجاهد الحر.وقد ظلت الحكومة الفرنسية تحاول التقليل من أهمية الثورة حتى أبريل 1955م، حين أعلنت حالة الطوارئ بالجزائر لمدة ستة أشهر، منحت بمقتضاها السلطات الإدارية صلاحيات واسعة استثنائية، منها إنشاء محاكم عسكرية حلت محل المحاكم الجنائية. وقد اضطرت فرنسا إلى تجديد العمل بهذا القانون، لأن الثورة استمرت أكثر مما كانت تتوقع. وارتبط بها الأشخاص المولودون في الجزائر والمقيمون بالأراضي الفرنسية، وذلك سنة 1957م في عهد حكومة بورجيس مونوري، وقد أدى الجزائريون المقيمون بفرنسا دورًا مهمًا في الثورة من الناحية المالية. جربت فرنسا كل أساليب القمع، فزادت قواتها بالجزائر إلى ما يقارب نصف مليون رجل، وعزلت الجزائر بالأسلاك المكهربة عن تونس والمغرب لمنع المدد عن الثوار، وشاركت في حرب السويس ضد مصر سنة 1375هـ، 1956م لإجبار الحكومة المصرية كي تمتنع عن دعم ثوار الجزائر بالأسلحة والعتاد والدعم السياسي. انظر: أزمة السويس. لكن الثورة الجزائرية أصبحت، بعد مضي أربع سنوات، من الأهمية بحيث امتد أثرها إلى داخل فرنسا ذاتها. وتعد عودة ديجول إلى الحكم، وقيام الجمهورية الخامسة نتيجة مباشرة لفشل فرنسا في قمع الثورة. وقد تمهد السبيل للانقلاب بعد أن جرت الحرب الجزائرية الجيش للخوض في السياسة، وتم الانقلاب فعلاً في 13 مايو 1958م بقيادة فرقة المظلات. لكنه فشل، لأن أهداف القائمين به لم تكن واحدة. كما تمهد السبيل لكي تقبل الجمعية الوطنية، بأغلبية ساحقة. تولّى ديجول رئاسة الحكومة مع سلطات مطلقة خاصة بناء على طلبه. وقبل أن يعلن هذا الأخير عن مشروعه في 16 سبتمبر 1959م بخصوص السياسة الجزائرية، اتخذ عدة إجراءات تنم ضمنًا عن أنه كان يتجه إلى فكرة الإدماج. وكان ذلك المشروع يحتوي على الاعتراف بحق الجزائر في تقرير مصيرها حتى ولو أدى ذلك إلى الانفصال عن فرنسا، لكنه أحاط ذلك المبدأ بقيود وتحفظات جعلت المشروع في مجموعه غير مقبول بتاتًا من جبهة التحرير الجزائرية. وازدادت علاقات ديجول بالمستوطنين الفرنسيين سوءًا، وقاموا في مدينة الجزائر بأول حركة تمرد واسعة من 26 يناير إلى 2 فبراير 1960م. وتكتلت أحزاب اليمين في فرنسا باسم جبهة الجزائر الفرنسية برئاسة جورج بيدو، وقام أربعة من الجنرالات (سالان، وشال، وزيلر، وجوهو) بمحاولة انقلابية ضد الجمهورية الخامسة فيما بين 22 و26 إبريل 1961م لكنها قمعت. وعندما قام ديجول بزيارته للجزائر في 10 ديسمبر 1960م شعر بأن كل إجراء يتخذ بدون الاتفاق مع جبهة التحرير سيكون مآله الفشل الذريع.وإزاء تصاعد الثورة الجزائرية، وعجز فرنسا عن القضاء عليها، ومناداة الرأي العام الفرنسي نفسه بالجلاء عن الجزائر، نتيجة لما جرته الحرب على الفرنسيين من خسائر بشرية واقتصادية بالغة الأهمية، بالإضافة إلى التأييد العالمي الذي لقيته القضية الجزائرية، والذي تجسد يوم 17 من ربيع الأول1380هـ الموافق 19 ديسمبر1960م في إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة توصية اللجنة السياسية القاضية بحق الجزائر في الاستقلال. كل هذه الأسباب دفعت فرنسا، بقيادة ديجول، للقبول بالتفاوض مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية. فجرت مفاوضات إيفيان بين 6 و 17 رمضان 1382هـ الموافق 10 و 17 فبراير 1962م، التي تعثرت أول الأمر، لكنها أدت في النهاية إلى عقد اتفاق بين الطرفين قضى بوقف إطلاق النار، وقد جرى إثر ذلك استفتاء أبدى فيه الجزائريون رغبتهم الأكيدة في الاستقلال، فتم إعلان استقلال الجزائر في 25 من المحرم 1382هـ الموافق 27 من يونيو 1962م، واعترفت الدول به. واختير أحمد بن بيلا أول رئيس للجمهورية الجزائرية، التي كانت قد انضمت إلى جامعة الدول العربية في 16 يونيو، وإلى الأمم المتحدة في 8 أغسطس من السنة نفسها.الجزائر المستقلةواجهت الجزائر المستقلة عدة مشاكل، كان في مقدمتها مشكلة المستوطنين، الذين قاوموا اتفاقية الصلح، وكذلك المنظمات السرية الفرنسية. وقد حلت هذه المشكلة بتعاون السلطات الفرنسية، مما أدى إلى هجرة أولئك المستوطنين بكثافة من الجزائر عائدين إلى فرنسا. ومن المشاكل أيضًا بناء مؤسسات الدولة وتكوين الجيش، وتعريب التعليم، وحل مشاكل مئات الآلاف من أيتام شهداء الثورة. وقد استطاعت الجمهورية أن تضع حلولاً لتلك المشاكل بمعونة الدول العربية والصديقة. وبخصوص الأراضي الزراعية، أعلن بن بيلا سياسة استيلاء الدولة على ما سمي بالأملاك الشاغرة، وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي. وفي سنة 1383هـ، 1963م أقر الشعب أول دستور للجزائر، تم بموجبه انتخاب أحمد بن بيلا رئيسًا للجمهورية. وقد واجهت الحكومة الجزائرية مشكلة الحدود مع المغرب، فوقعت معارك بين الدولتين سنة 1383هـ، 1963م لكنها توقفت إثر توسط الدول العربية بينهما. وخلال رئاسة بن بيلا ارتبطت الجزائر بحركة عدم الانحياز التي اقترن فيها بن بيلا مع جمال عبدالناصر وكوامي نكروما رئيس جمهورية غانا، وبذلك اتضح اهتمام بن بيلا بالقضايا التحريرية والإفريقية. وفي عام 1385هـ، 1965م، قاد العقيد هواري بومدين انقلابًا عسكريًا، أدى إلى اعتقال بن بيلا وعزله بتهمة الإسراف، واستخدام أموال الدولة في غير وجوهها. وتولى مجلس قيادة الثورة حكم الجزائر برئاسة بومدْين.وقد حققت الجزائر في عهد الرئيس بومدْين (1385 ـ 1398هـ، 1965 ـ 1978م) منجزات ضخمة على المستوى الداخلي، منها نشر التعليم وتعريبه، وإعادة استثمار الأراضي الزراعية التي غادرها المستوطنون الأجانب عن طريق برنامج الثورة الزراعية. الأمر الذي حفظ للجزائر مركزها العالمي. وأصبحت الجزائر من أهم الدول المنتجة لزيت الزيتون والتين والتمور والفلين. بيد أن أهم مورد للثروة الوطنية بالبلاد ظل يتمثل في النفط والغاز الطبيعي، وأهم حقولها بالصحراء الجزائرية حاسي مسعود والعجيلات للنفط وحاسي الرمل وحاسي الطويل للغاز الطبيعي. وقد أممت الحكومة الجزائرية هذين الموردين الاقتصاديين المهمين سنة 1971م، وأنشأت لاستثمارهما شركة وطنية اشتهرت باسم سوناطراك وذلك إلى جانب عدد من الشركات الأجنبية، الفرنسية والأمريكية، وأقامت مصنعًا ضخمًا لتكرير النفط قرب مدينة الجزائر لتأمين حاجيات البلاد من مشتقاته، ومصنعًا آخر لتمييع الغاز بأرزو. وواصلت تصدير بقية إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي خامًا، عبر القنوات التي مدت لتربط حقول الإنتاج بميناءي بجاية الجزائري والصخيرة التونسي. وتمثل صادراته ثلاثة أرباع الصادرات الجزائرية، مما يغطي العجز المسجل باستمرار في الميزان التجاري للبلاد. وقد أنشأت الحكومة الجزائرية عددًا من الصناعات التعدينية والتحويلية في نطاق خططها الإنمائية الخماسية، وعملت على إقامة علاقات اقتصادية مع مختلف بلدان العالم. لكن العلاقة التجارية مع فرنسا بقيت تتصدر القائمة ولاتزال سواء على مستوى التوريد أو التصدير.تعتبر الزراعة أهم نشاط يمارسه الجزائريون، وذلك بالإضافة إلى توسع قطاع الخدمات كما هو الحال في غير الجزائر من الدول الحديثة العهد بالاستقلال. ومازالت الجزائر تواجه مشاكل البطالة والهجرة الداخلية والخارجية (إلى فرنسا بالخصوص)، الناجمة عن ارتفاع معدل النمو الديموجرافي (أكثر من 3,5% سنويًا)، كما أن الإخفاقات على مستوى برامج الثورة الزراعية والنمو الاقتصادي عمومًا، وانتشار الأمية وعزوف الشباب عن العمل بالفلاحة، تشكل تحديات رئيسية للمسؤولين الجزائريين وتنتظر منهم حلولاً جادة.أما على المستوى الخارجي، فقد برزت مشاركة الجزائر المستقلة في المجال العربي، وكانت سياستها تقوم على المشاركة بفعالية في تعزيز التضامن العربي. ومن هذا المنطلق كانت مشاركتها فاعلة في حربي 1387هـ، 1967م و1393هـ، 1973م ضد إسرائيل. وصار لها في المجال الدولي صوتٌ قويٌ يحسب حسابه، كما ساهمت الجزائر في دعم حركات التحرر مما جعل علاقاتها متميزة مع تلك الحركات وبخاصة في القارة الإفريقية.وفي أواخر عام 1398هـ، 1978م توفي الرئيس هواري بومدين، فانتخبت جبهة التحرير الوطني الجزائري العقيد الشاذلي بن جديد رئيسًا.واصل الشاذلي سياسة سلفه. فقامت الحكومة الجزائرية في عهده بمحاولات حثيثة للتوسط بين العراق وإيران من أجل وقف القتال بينهما منذ سنة 1981م. وسار بن جديد مع جيرانه المغاربة في مسار التقارب، بحيث دخلت الجزائر في تجربة اتحاد دول المغرب العربي، الذي أعلنه رؤساء الجزائر وتونس وليبيا وملك المغرب إثر اجتماعهم بالمملكة المغربية سنة 1988م في نطاق إحياء ذكرى مؤتمر طنجة، الذي كان قد انعقد بتلك المدينة المغربية سنة 1958م. كما ولج الرئيس الشاذلي بن جديد بالجزائر باب التعددية الحزبية، لكن عوامل عديدة منها تراكم نتيجة وجود بعض الأزمات المزمنة، مثل أزمة الديون وأزمة البطالة، فجرت الموقف بالبلاد، وغذت روح التطرف في كل الاتجاهات، وحالت دون تطبيق التجربة الديمقراطية. فتعثرت هذه التجربة منذ بدايتها بعد فوز حركة الإنقاذ الإسلامية بزعامة عباس مدني في الانتخابات البلدية سنة 1410هـ، 1990م، وما تلاها من توتر العلاقات بين مختلف التيارات والأحزاب السياسية بالبلاد، واستقالة الرئيس بن جديد في ديسمبر 1990م (أواسط 1411هـ) ليتولى مجلس للرئاسة إدارة البلاد لما تبقى من مدته، والإعلان سنة 1991م عن إلغاء نتائج الانتخابات البلدية السابقة الذكر وإلغاء نتيجة الانتخابات التي كانت جارية مما أوجد جوًا متوترًا بالبلاد أخذ يستفحل بتنفيد العصيان المدني الذي دعت إليه جبهة الإنقاذ الإسلامية، وما تلا ذلك من اعتقالات واسعة في صفوف أعضاء تلك الجبهة وبخاصة قيادتها، ومحاكمة أعداد كبيرة منهم وانتشرت عمليات القتل والاغتيال في أنحاء البلاد، وذهب ضحيتها عديد من الجزائريين بمن فيهم الرئيس محمد بوضياف نفسه، الذي تسلم منصب الرئاسة في رجب 1412هـ ، يناير 1992م، وأعلن عن عزمه للسير بالبلاد نحو الانفراج، لكنه اغتيل بعد أقل من سبعة أشهر من توليه منصبه واختير الرئيس علي الكافي سنة 1413هـ، 1992م، ليحل محله على رأس المجلس الأعلى للدولة. وفي عام 1994م حل محله الأمين زروال. وفي عام 1996م، أجريت انتخابات رئاسية فاز فيها الرئيس الأمين زروال وفي العام نفسه، 1996م، وافق الشعب الجزائري على تعديل دستوري نصّ على حظر الأحزاب السياسية التي تتخذ من الدين أو اللغة أو الجنس أو المنطقة أساسًا لها وفي عام 1997م، أجريت انتخابات برلمانية لاختيار أعضاء مجلس الشعب الوطني وفي أبريل 1998م تم انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة، المقبول من الشعب والجيش والرئيس السابق الأمين زروال رئيسًا للبلاد وفي يونيو 1999م، أعلن الجيش الإسلامي للإنقاذ وهو الجناح العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ وقف العمليات العسكرية ضد الحكومة.

هيثــــــم
12-13-2009, 12:37 PM
ما قبل التاريخ




يعود ظهور الإنسان في المنطقة التي تعرف اليوم بتونس إلى فترة ما قبل التاريخ، حيث تم العثور على آثار نشاط إنساني يعود إلى العصر الحجري القديم السفلي وذلك تحديدا في موقع القطّار والذي اكتشف فيه عالم الآثار جراي كوما من الحجارة مخروطي الشكل يعتقد أنه تعبير عن معتقد ما.

تُعدّ الحضارة القبصية (6.800 ق.م. إلى 4.500 ق.م.) أول مظاهر المجتمعات الإنسانية المنظمة بالمنطقة.وفي هذه الفترة وفد البربرالأمازيغ كما يبدو مع هجرة الشعوب الليبية (تعبير اغريقي عن الشعوب الأفريقية آنذاك) وإن كان لا يعرف أصل الشعوب البربرية بالتحديد ويعتبرهم كثيرون السكان الأصليين للبلاد.
عرفت المنطقة تعاقب العديد من الحضارات التي جلبتها ثروات هذه الأرض وأهمية موقعها الإستراتيجي في قلب حوض البحر الأبيض المتوسط وساعد على دخولها الانفتاح الطبيعي لتونس وسهولة تضاريسها. ويعد قدوم الفينيقيين بداية دخول المنطقة فترة التاريخ بتأسيسهم لدولة قرطاج.





التاريخ القديم
http://www.yesmeenah.com/smiles/smiles/38/1%20%28568%29.gif


الفترة القرطاجية

(814 ق.م. - 164 ق.م.)


أقام السكان الموجودون بالبلاد التونسية علاقات تجارية مع الفينيقيين منذ القرن 11 ق.م. حيث قام هؤلاء بإنشاء مرافئ لتبادل البضائع تعتمد في أغلب الأحيان على المقايضة. وتعتبر أوتيكا من أهم هذه الموانئ وكان تأسيس قرطاج كقاعدة عسكرية لحماية الموانئ التجارية على الساحل الغربي للبحر الأبيض المتوسط. وعلى إثر الإضرابات التي نشبت فيفينقيا قامت مجموعة من التجّار بالفرار إلى ----قرطاج والإستقرار فيها ولكن الروايات التاريخية عن تأسيس المدينة أقرب إلى الأسطورة من الحقيقة أحيانا.

بمرور الزمن ضعفت الإمبراطورية التجارية الفينيقية وورثت قرطاج أمجادها ومستعمراتها وقامت بتوسيع رقعتها لتشمل جزءا كبيرا من سواحل البحر الأبيض المتوسط، ونظرا لموقعها الإستراتيجي والمُطل على حوضي المتوسط، استطاعت بسط نفوذها والسيطرة على حركة التجارة بشكل لم يكون لينال رضاء القوة العظمى آن ذلك. حيث شكل التوسع القرطاجي خطرا على مصالح ونفوذ الإغريقيين مما أدى إلى اشتباكات عسكرية بين الدولتين.

وفي سنة 753 ق.م برز كيان جديد في شبه الجزيرة الإيطالية تحت اسم روما ودخلت روما حلبة الصراع منافسة قرطاج، الشيء الذي أدى إلى نشوب سلسلة من الحروب (سنة 264 ق.م) اشتهرت باسم الحروب البونيقية ولعل أشهرها حملة حنبعل (الحرب البونيقية الثانية) الذي قام بعبور سلستي البيرينيوالألببفيلته (218 ق.م. – 202 ق.م.). انتهت هذه الحروب البونيقية بهزيمة القرطاجيين واضعافهم بشكل كبير خاصة بعد حرب زوما المفصلية مما مهد الطريق لحرب ثالثة وحاسمة انتهت بزوال قرطاج وخراب المدينة وقيام الرومانيون بإنشاء "أفريكا" أول مقاطعة رومانية بشمالإفريقيا وذلك سنة 146 ق.م.






الفترة الرومانية

(146 ق.م – 431 م)


سنة 44 ق.م قرر الامبراطور الروماني يوليوس قيصر اعادة بناء مدينة قرطاج بعد أن كانت أوتيكا العاصمة ولكن أعمال البناء لم تبدأ رسميا إلا مع خلفه أوغيست وبذلك بدأت فترة ازدهار في المنطقة حيث أصبحت أفريقية مخزن حبوب روما.
ازدهرت مدن رومانية أخرى بالتزامن مع أرض قرطاج ومازلت الآثار شاهدة على بعض منها مثل دقةبولاية باجةوالجمبولاية المهدية.

أدى نمو قرطاج السريع إلى تبوئها مكانة ثاني مدينة في الغرب بعد روما إذ ناهز عدد سكانها مائة ألف نسمة. وبدأ انتشار المسيحية في تلك الفترة والذي لاقى في البداية معارضة كبيرة من السكان ولم يحسم الأمر للدين الجديد إلا مع القرن الخامس وأصبحت قرطاج إحدى العواصم الروحية الهامة للغرب آنذاك.







الفترة الوندالية

(431 – 533)


عبر الوندال مضيق جبل طارق في 429 م وسيطروا سريعا على مدينة قرطاج حيث اتخذوها عاصمة لهم. وكانوا أتباع الفرقة الأريانية والتي اعتبرتها الكنيسة الكاثوليكية آنذاك فرقة من الهراطقة (هم الزنادقة في الإسلام) كما اعتبرهم السكان برابرة وأدى ذلك إلى حملة قمع سياسي وديني واسعة ضد المعارضين.
بدأت مناوشات بين الوندال والممالك البربرية المتاخمة للدولة وكانت انهزام الوندال سنة 530 م الحدث الذي شجع بيزنطة على القدوم لطرد الوندال.






الفترة البيزنطية


سيطر البيزنطييون بسهولة على قرطاج سنة 533م ثم انتصر الجيش البيزنطي والذي كان أغلبه مكونا من المرتزقةعلى الخيل الوندالية والتي كانت أقوى تشكيل في جيش الوندال. واستسلم آخر ملك وندالي سنة 534م.
هجر أغلب الشعب الوندالي قسرا إلى الشرق أين أصبحوا عبيدا بينما جند الباقون في الجيش أو كعمال في مزارع القمح.
سرعان ما عاد الحكام الجدد إلى سياسة القمع والإضطهاد الديني كما أثقلوا كاهل الناس بالضرائب مما حدى بهم إلى الحنين إلى سيطرة الوندال على مساوئهم.







الفتح الإسلامي


استقر الإسلام في المنطقة بعد ثلاث فتوحات متتالية عرفت مقاومة كبيرة من البربر بينما لم تُعَرّب شعوب المنطقة إلا بعد ذلك بقرون طويلة.
كانت أولى الفتوحات سنة 647م وعرفت بفتح العبادلة لكثرة المشاركين فيها ممن يحملون اسم عبد الله وانتهت بمقتل الحاكم البيزنطي.

وقعت الحملة الثانية سنة 661م وانتهت بالسيطرة على مدينة بنزرت. أما الحملة الثالثة والحاسمة فكانت بقيادة عقبة بن نافع سنة 670م وتم فيها تأسيس مدينة القيروان والتي أصبحت فيما بعد القاعدة الأمامية للحملات اللاحقة فيإفريقيةوالأندلس. إلا أن مقتل عقبة بن نافع سنة 683م كاد يفشل الحملة واضطر الفاتحون إلى حملة رابعة ونهائية بقيادة حسان بن النعمان سنة 693م أكدت سيطرة المسلمين على إفريقية رغم مقاومة شرسة من البربر بقيادةالكاهنة. وتمت السيطرة على قرطاج سنة 695م ورغم بعض الانتصارات للبربر واسترجاع البيزنطيين لقرطاج سنة696م فإن المسلمين سيطروا بصفة نهائية على المدينة في 698م وقتلت الكاهنة في السنة نفسها.

لم تسترجع قرطاج هيبتها بعد ذلك وتم استبدالها بعد ذلك بميناء تونس القريب والذي كان مركز انطلاق للغزوات في البحر باتجاه صقلية وجنوب إيطاليا.
لم يكتفي الفاتحون الجدد بالسيطرة على السواحل بل أتجهوا برا ونشروا عقيدتهم في صفوف البربر الذين أصبحوا من ذلك الحين رأس الحربة في الفتوحات اللاحقة وخاصة في الأندلس بقيادة طارق بن زياد.
احتوت مدينة القيروان على العديد من مراكز تعليم الإسلام إلا أن بعد إفريقية عن المشرق مهد الديانة ومركز الحكم أدى إلى انتشار الفرق الاسلامية التي لا تنتمي إلى أهل السنة وخاصة الفكر الخارجي.







الدولة الأغلبية

بقيت القيروان عاصمة لولاية أفريقية التابعة للدولة الأموية حتى 750م ثم الدولة العباسية ولم تشهد المنطقة حكما مستقلا إلا بقيادة إبراهيم ابن الأغلب مؤسس الدولة الأغلبية بقرار من هارون الرشيد سنة 800م والذي كان يريد بذلك وضع سد أمام الدويلات المنتشرة في غرب أفريقية أين انتشر الفكر الخارجي.
دام حكم الأغالبة 100 سنة وازدهرت خلاله الحياة الثقافية وأصبحت القيروان مركز إشعاع كما شهدت نفس الفترة تأسيس أسطول بحري قوي لصد الهجومات الخارجية والذي مكن أسد بن الفرات لاحقا من فتح جزيرة صقلية.



الدولة الفاطمية


شكل وصول بني أمية إلى سدة الحكم بعد مقتل الإمام علي نقطة انطلاق تنظيم الشيعة العلويين وتحلقهم حول ذرية الإمام من السيدة فاطمة الزهراء، الحسنوالحسين. كما أعطى مقتل الإمام الحسين شحنة جديدة زادت من تكتلهم ومن تقوية صفوفهم وذلك حتى نهاية الحكم الأموي.
لم يتغير وضع الشيعة كثير بعد وصول أبناء أعمامهم العباسيون إلى الحكم مما زاد شعورهم بالإحباط والكبت. وفي عهدالخليفة المنصور ظهرت عدة فرق في صفوف الشيعة لعل أهمها وأكثرها تنظيما سواء من ناحية العقدية أو سياسة أتباع إسماعيل بن جعفر الصادق.
بوفاة إسماعيل بن جعفر بدأت فترة الأئمة المستورين الذين لم يكن لهم مشاركة في الحياة السياسية وهم: الوافي أحمدوالتقي محمدوالزكي عبد الله والتي انتهت بظهور المهدي عبد الله والمعروف أكثر باسم عبيد الله المهدي.

استطاع عبد الله الشيعي في غضون 7 سنوات الاستيلاء على أغلب مناطق شمال إفريقيا وذلك بمساعدة بعض القبائل البربرية التي استجابت إلى دعوته واعتنقت المذهب الإسماعيلي. وبعد انتصارهم على الجيش الأغلبي دخل عبيد الله رقادة يوم الخميس 20 ربيع الثاني سنة 296 هـ/6 جانفي909 م والتي كان زيادة الله الثالث قد تخلى عنها. دام حكم الفاطميين في تونس 64 عاما عرفت فيها البلاد إزدهارا كبيرا. عام 969 تمكن الفاطميون من فتح مصر لينقلوا إليها عاصمتهم عام 973.






الدولة الصنهاجية

لما إنتقل الفاطميون إلى مصر ولوا على إفريقية أميرا من أصل أمازيغي يدعى بلكين بن زيري بن مناذ الصنهاجي. إستطاع بلكين القضاء على الفتن والثورات القبائلية المجاورة على حدود البلاد مما مكنه من تعزيز حكمه والإحتفاظ بالأراضي الشاسعة التي ورثها عن الفاطميين. في بداية القرن الحادي العشر خرج والي أشيرحماد بن بلكين عن سلطة الصنهاجيين مما أدخل الطرفين في حرب طاحنة دامت عدة سنوات. فقد الصنهاجيون شيئا فشيئا جزءا كبيرا من المغرب الأوسط (الجزائر) لتقتصر في النهاية رقعة دولتهم أساسا على تونس وصقلية.

شهدت البلاد في عهد الصنهاجيين نهضة عمرانية وثقافية وإقتصادية كبيرة، فإزدهرت الزراعة في أنحاء البلاد بفضل انتشار وسائل الري، ووقع تشييد العديد من القصور والمكتبات والأسوار والحصون، فيما أصبحت عاصمتهم القيروانمركزا هاما للعلم والأدب.
عام 1045 أعلن الملك الصنهاجي المعز بن باديس خروجه عن الخلافة الفاطمية في القاهرة وانحيازه إلى الخلافة العباسية في بغداد. قامت قيامة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله الذي أذن، بإيعاز من وزيره أبو محمد الحسن اليازوري، للقبائل البدوية المتمركزة في الصعيد بالزحف نحو تونس. أدى زحف القبائل البدوية (أساسا بنو هلال وبنو سليم) إلى تمزيق أوصال الدولة الصنهاجية وإلى خراب عاصمتهم بعد تعرضها للسلب والنهب.
بعد الغزو الهلالي أصبحت البلاد مقسمة بين عدة دويلات أهمها إمارة بنو خرسان في مدينة تونس والوطن القبلي، ومملكة بنو الورد وعاصمتها بنزرت، ومملكة بنو الرند وعاصمتها قفصة فيما حافظ الصنهاجيون على منطقة الساحلوإتخذوا من المهدية عاصمة لهم.






الفترة الموحدية


عام 1060 إنتهز النورمان إنهيار الدولة الصنهاجية ليستولوا على صقلية لتصبح البلاد عرضة لغاراتهم. في عام 1135تمكن روجيه الثاني من إحتلال جزيرة جربة تبعها عام 1148 إحتلال المهدية، سوسة، وصفاقس. إستنجد الملك الحسن بن علي الصنهاجي بعبد المؤمن بن علي مؤسس الدولة الموحدية في المغرب لطرد الغزاة. إستطاع الموحدون في السنوات التالية إسترجاع كامل الأراضي التونسية من النورمان ليصبحوا مسيطرين على معظم أجزاء المغرب الكبيروجزء من الأندلس.






الدولة الحفصية


عام 1207 ولى الموحدون على إفريقية أحد أتباعهم وهو أبو محمد بن عبد الواحد بن أبي حفص ابن الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص الذي رافق محمد بن تومرت أثناء دعوته. عام 1228 تمكن أبو زكريا يحيى بن حفص من الإنفراد بالمنصب لصالحه وأعلن منذ ديسمبر1229 إستقلاله عن الموحدين. إتخذ أبو زكريا مدينة تونس عاصمة له وإتخذ لنفسه لقب السلطان. عام 1249 خلف أبو أبو زكريا إبنه عبد الله محمد المستنصر الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين عام 1255. تعرضت البلاد عام 1270 إلى غزوة صليبية قادها لويس التاسع ضمن الحملة الصليبية الثامنة. شهدت الدولة بعد وفاة المستنصر عام 1277 عدة صراعات خلافة تخللتها عدة ثورات لقبائل جنوب البلاد، ولم تسترجع الدولة وحدتها إلا في عهدأبو يحي أبو بكر. إسترجعت الدولة سالف مجدها في عهد أبو العباس أحمد وأبو فارس عبد العزيز الذان شهدت البلاد في عهدتها إزدهار التجارة والملاحة. دخلت الدولة في أواخر القرن الخامس عشر حالة من الركود تخللتها حروب خلافة وأصبحت منذ 1510 عرضة لغارات الإسبان.



الحقبة الإسبانية

دخلت الدولة الحفصية سنة 1535 في صراع خلافة بين السلطان أبو عبد الله محمد الحسن وأخيه الأصغر رشيد. طلب الأخير العون من العثمانيين الذين تمكنوا من الإستيلاء على العاصمة بقيادة خير الدين بارباروسا (دون إرجاع رشيد على العرش). إستنجد أبو عبد الله محمد الحسن بشارل الخامس، ملك إسبانيا الذي جهز جيشا قوامه 33،000 رجل و400 سفينة بالتحافل مع الدول البابوية، جمهورية جنوة ونظام فرسان مالطا. تمكن الإسبان من القيام بإنزال شمالي العاصمة في 16 يونيو، ثم بالإستيلاء على ميناء حلق الوادي، ثم تمكنوا من دخول العاصمة في 21 يوليو. أعيد تنصيب السلطان حسن على العرش لكنه أجبر على المصادقة على معاهدة تضع البلاد عمليا تحت الحماية الإسبانية. استمر في السنوات التالية الصراع بين الإسبان وحلفاءهم والعثمانيين. تمكن العثمانيون في النهاية سنة 1574، من طرد الإسبان نهائيا بعد الإنتصار عليهم في معركة تونس.

هيثــــــم
12-13-2009, 12:45 PM
أصل التسمية

كان ظهور الاسم ليبيا وتداوله في النقوش المصرية القديمة ليدل وبوضوح على القبائل الليبية التي كانت تقطن جبل برقة والصحراء الغربية لمصر، فورد ذكرها على لوحة الملك مرنبتاح وكذلك في معبد الكرنك.
من الناحية التاريخية يبدو انه اشتق من الكلمة المصرية القديمة (ريبو) او الليبو وتقابلها في اليونانية (ليبوس) مما يقابلها في العربية ليبيا، وورد اسم الليبو أو ليبيا في نقش مصري قديم يرجع إلى عهد رمسيس الثاني (1298-1232) قبل الميلاد وكان يطلق على إحدى الفرق العسكرية التي عملت في الجيش المصري آنذاك وشاركت في الحملات على بلاد فلسطين وسوريا.
من الواضح ان الليبيين هم من اتصل بهم في بادئ الأمر وذلك في عصر الملك رمسيس السادس من الأسرة العشرين ثم انتقل الاسم ليبيا حيث تلقفه الفينيقيون قبل هجرتهم إلى الشمال الإفريقي وعُثر على نقوش فينيقية متعددة ورد بها هذا اللفظ ( ليبيا ) وما لبث ان انتقل إلى الإغريق سكان اليونان الحالية وذلك خلال العصر البرونزيمما الهب خيالهم وهم المولعون بالخرافات والأساطير فراحوا ينسجون الأساطير عن ليبيا مثال ذلك ما ورد في الأوديسا ل هوميروس حيث ورد بالفظ ما معناه ( إن من يأكلاللوتس من غير الليبيين سينسى وطنه ويعيش في ليبيا ليقضى حياته يأكل اللوتس) أما هيروديت أبو التاريخ الذي زار ليبيا في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد فذكر ليبيا في عدة مواضع وكان يعنى بها قارة إفريقيا بأسرها وكان يقسم ليبيا إلى قسمين :- الليبيون في الشمال و الافيوب في الجنوب.
اما الرومان فقد اخدوا اسم ليبيا من الإغريق دون تحريف مع تقنين المساحة الجغرافية لذلك بحيث اصبح يدل عندهم على الأراضي الواقعة غرب مصر من برقة حتىطرابلس واطلقوا على قورينا اسم ليبيا العليا وهى المساحة الممتدة من غرب مدينة درنه الحالية إلى شرق مدينة سرت والمنطقة من شرق درنه حتى الدلتا القريبة من وادي النيل فعرفت عندهم باسم ليبيا السفلى او(مرماريداي) والتي عرفت عند العرب باسم (مراقية).
وعندما جاء العربالمسلمون كانت لوبية ومراقية اسم لكورتان من كور مصر الغربية حيث يذكر ابن عبد الحكم إن لوبية ومراقية (كوران) من كور مصر الغربية وعرفهما بأنهما مما يشربان من السماء ولا ينالهما النيل ويذكر ابن عبد الحكم انه في ولاية حسان بن النعمان كانت انطابلس ولوبية ومراقية إلى حدود إجدابيا من أعمال حسان ولم يحدد اسم ليبيا ذو مذلول جغرافي محدد إلا في مطلع القرن الحالي.
وربما يكون أول ذكر محدد لليبيا هو ما خرجه الجغرافي الإيطالي (ف.مينوتلى) في كتابه (جغرافية ليبيا) المطبوع في تورينتوسنة1903 ميلادية ليدل على الولاية التركية التي تشمل طرابلس و برقة ثم اتخذت إيطاليا ( ليبيا )اسما رسميا لولاية طرابلس بعد إعلان السيادة الإيطالية عليها في يونيه 1924م ومنذ ذلك الوقت شاع استعمال اسم ليبيا في جميع أنحاء العالم، وشمل طرابلس و برقة و فزان والواحات التابعة لها.




نبذة مختصرة عن تأريخ ليبيا

يمكن تقسيم تاريخ ليبيا إلى مجموعة من المراحل، تبدأ من تاريخ ليبيا القديم ويضم علاقة الليبيين بالمصريين خلال حكم الفراعنة ويتميز بوصول أحد الليبيين إلى عرش مصر الفرعونية وهو الفرعون شيشنق ثم مرحلة العلاقة مع الفينيقين وانشاء المدن الثلاث اويا و صبراتة و لبدة الكبرى ، ثم مرحلة العلاقة مع الاغريق أو اليونانوانشاء قورينا والمدن الخمس ثم العلاقة مع قرطاج او قرطاجنة وظهور حنبعل أو هنيبال ثم العلاقة مع الامبراطورية الرومانية ويتميز بوصول أحد الليبيين إلى عرش الامبراطورية الرومانية وهو الامبراطور سيبتيموس سيفيروس وابنائه، كم تتميز ميلادالرسول مرقس رسول المسيح إلى أرض مصر وليبيا ثم حكم البطالمة وغزو الوندال. ثم تبدا المرحلة الاسلامية وتبدأ بالفتح الاسلامي على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وتستمر مع الدولة الاموية ثم العباسية مع تبعيتها المختلفة لولايات مختلفة او كولاية منفصلة ودويلات مثل بني الغلب او الدولة الرستمية و المرابطون و الموحدون ثم الخلافة الفاطمية وما حصل فيها من هجرة بني هلالوبني سليم وتعريب ليبيا بسبب هذه الهجرة ثم الدولة الايوبية ثم غزو فرسان القديس يوحنا ثم الانضمام إلى الخلافة العثمانية وولاية القرمانلي وحتى بداية التاريخ الحديث والغزو الايطالي و الجمهورية الطرابلسية ثم الحرب العالمية الثانية والاستقلال ثم انشاء المملكة الليبية المتحدة وحتى قيام ثورة الفاتح.

تأريخ ليبيا القديم

العلاقة مع المصريين عرّف قدماء المصريين الأقوام التي تقطن إلى الغرب من مصر بالليبيين، وكانت القبيلة الليبية التي تعيش في المنطقة المتاخمة لمصر هي قبيلة الليبو قد ورد ذكر هذه القبيلة لأول مرة في النصوص المصرية التي تنسب إلى الملك مرنبتاح من الأسرة التاسعة عشرة (القرن الثالث عشر قبل الميلاد)، ومن اسمها اشتق اسم ليبيا، وقد عرف الإغريق هذا الاسم عن طريق المصريين ولكنهم أطلقوه على كل شمال أفريقيا إلى الغرب من مصر وهكذا ورد عند هيرودوت الذي زار ليبيا في بداية النصف الثاني من (القرن الخامس قبل الميلاد). وقد بلغت بعض القبائل درجة من القوة مكنتها من دخول مصر وتكوين أسرة حاكمة هي الأسرة الثانية والعشرون التي احتفظت بالعرش قرنين من الزمان (من القرن التامن إلى القرن العاشر قبل الميلاد) واستطاع مؤسس تلك الأسرة الملك شيشنق الاول أن يوحد مصر، وأن يجتاح فلسطين ويستولي على عدد من المدن ويرجع بغنائم كثيرة.




العلاقة مع الفينيقين

بدأ اتصال الفينيقيين بسواحل ليبيا منذ فترة مبكرة، وبلغ الفينيقيون درجة عالية من التقدم والرقي وسيطروا على البحرالابيض المتوسط واحتكروا تجارته وكانوا عند عبورهم هذا البحر بين شواطىء الشام و إسبانيا التي كانوا يجلبون منها الفضة والقصدير يبحرون بمحاذاة الساحل الغربي من ( ليبيا ) وذلك لأنهم اعتادوا عدم الإبتعاد كثيرا عن الشاطىء خوفا من اضطراب البحر، وكانت سفنهم ترسو على شواطىء ( ليبيا ) للتزود بما تحتاج إليه أثناء رحلاتها البحرية الطويلة، وقد أسس الفينيقيون مراكز ومحطات تجارية كثيرة على طول الطريق من موانئهم في شرق البحر الابيض المتوسط إلى إسبانيا غرباً، وعلى الرغم من كثرة هذه المراكز والمحطات التجارية فإن المدن التي أنشأها وأقام فيها الفينيقيون في ليبيا كانت قليلة وذلك لأنهم كانوا تجاراً لا مستعمرين، ويرجع بعض المؤرخين أسباب إقامة المدن التي استوطنها الفينيقيون في ليبيا وشمال أفريقيا إلى تزايد عدد السكان وضيق الرقعة الزراعية في الوطن الأم، وكذلك بسبب الصراع الذي كثيرا ما قام به عامة الشعب والطبقة الحاكمة، أضف إلى ذلك ما كانت تتعرض له فينيقيا بين فترة وأخرى من غارات، كغارات الآشوريين و الفرس ثم الغارات اليونانية.
امتد نفوذ الفينيقيين إلى حدود برقة (قورينا) وأسسوا بعض المدن التجارية المهمة على ساحل ليبيا ( طرابلس ولبدة و صبراته) التي لعبت دوراً كبيراً في تاريخ ليبيا والشمال الإفريقي، وقد ازدهرت تجارتهم على الساحل الغربي من ليبيا وذلك لسهولة الوصول إلى أواسط إفريقيا الغنية بمنتجاتها المربحة كالذهب والأحجار النفيسة والعاج وخشب الأبنوس وكذلك الرقيق، وكانت أهم طرق القوافل تخرج من مدينة جرمة. ولهذا صارت تلك المدينة مركزا مهما تُجمع فيه منتجات أواسط إفريقيا التي تنقلها القوافل عبر الصحراء إلى المراكز الساحلية حيث تباع للفينيقيين مقابل المواد التي كانوا يجلبونها معهم، واستمر الجرمانيون مسيطرين على دواخل ليبيا لفترة جاوزت الألف سنة.
وفي حين دخل الفينيقيون و الإغريق في علاقات تجارية معهم، حاول الرومان إخضاع الجرمانيين بالقوة والسيطرة مباشرة على تجارة وسط إفريقيا عبر ليبيا، ولكنهم فشلوا في ذلك وفي النهاية وجدوا أنه من الأفضل مسالمة تلك القبيلة، واستمر وجود الفينيقيين وازداد نفوذهم في ليبيا وشمالا أفريقيا خاصة بعد تأسيس مدينة قرطاجنة في الربع الأخير من القرن التاسع قبل الميلاد (814 ق .م)، وصارت قرطاجنة أكبر قوة سياسية وتجارية في حوض البحر الابيض المتوسط الغربي، وتمتعت بفترة طويلة من الإستقرار السياسي والإزدهار الاقتصادي.
دخلت قرطاجنة بقيادة حنبعل (هنيبال) بعد ذلك في صراع مرير مع روما وكان الحسد والغيرة يملآن قلوب الرومان على ما وصلت إليه تلك المدينة الفينيقية من قوة وثراء وبدءوا يعملون ويخططون من أجل القضاء عليها وبعد سلسلة من الحروب المضنية تكبد فيها الطرفان الكثير من الأرواح والأموال، وهي الحروب التي عرفت في التاريخ بالحروب البونية ، استطاعت روما أن تحقق هدفها وأن تدمر قرطاجنة تدميرا شاملا وكان ذلك سنة (146 ق.م.) وآلت بذلك كل ممتلكات قرطاجنة بما فيها مدن ليبيا الثلاث (طرابلس، لبدة، وصبراته) إلى الدولة الرومانية .
اما السواحل الشرقية من ليبيا برقة (قورينا)، فكانت من نصيب المستعمرين الإغريق، ومثلت سواحل برقة أحد انسب المواقع التي يمكن أن ينشئ فيها المهاجرون الإغريق مستعمراتهم فهي لا تبعد كثيرا عن بلادهم، بالإضافة إلى ما كانوا يعرفونه من وفرة خيراتها وخصب أراضيها وغنى مراعيها بالماشية والأغنام.




العلاقة مع الاغريق

بدأ الإستعمار الإغريقي لإقليم قورينا (برقة) في القرن السابع قبل الميلاد عندما أسسوا مدينة قوريني (شحات) سنة 631 قبل الميلاد، وكان باتوس الأول هو أول ملك للمدينة، وقد توارثت أسرته الحكم في قوريني لفترة قرنين من الزمان تقريبا ولم يكن عدد المهاجرين الأوائل كبيرا إذ يقدره البعض بحوالي مائتي رجل. ولكن في عهد ثالث ملوك قوريني باتوس الثاني حضرت أعداد كبيرة من المهاجرين الإغريق واستقرت في الإقليم وقد أزعج هذا الأمر سكان ليبيا، فدخلوا في حرب مع الإغريق من أجل الدفاع عن وجودهم وأراضيهم التي طردوا منها والتي منحت للمهاجرين الجدد، وعلى الرغم من أن الأسرة التي أسسها باتوس الأول استمرت في حكم ليبيا زمناً طويلاً إلا انها لم تنعم بالإستقرار وذلك بسبب الهجمات المتتالية التي كانت القبائل الليبية تشنها على المستعمرات الإغريقية في المنطقة الساحلية لليبيا.
في عهد أركيسيلاوس الثاني رابع ملوك قوريني، ترك بعض الإغريق وعلى رأسهم أخو الملك مدينة قوريني ليؤسسوا بمساعدة الليبيين مدينة برقة (المرج)، ولما ازداد عدد المهاجرين الذين أتوا إلى مدينة قوريني، أرسلت تلك المدينة بعضا منهم لإنشاء بعض المواقع السكانية الجديدة على شواطىء ليبيا وكان ان أنشئت طوخيرة (توكرة)، كما أسست مدينة قوريني مستعمرة أخرى هي مدينة يوهسيبريديس (بنغازي) وميناء أبولونيا (سوسة)، كما أنشأت مدينة برقة (المرج) ميناء لها في موقع بطولوميس (طلميثه).
عندما احتل الفرس مصر، بعث ملك قوريني رسولاً إلى الملك الفارسي معلنا خضوع اقليم قورينا، واستمرت تبعية الإقليم لمصر وواليها الفارسي وان كانت في الغالب تبعية اسمية، وفي منتصف القرن الخامس قبل الميلاد (440 ق .م) قتل أركيسيلاوس الرابع، آخر ملوك أسرة باتوس ، في يوهسيبريديس (بنغازي)، وأصبحت قورينا تضم مدنا مستقلة عن بعضها البعض، وعلى الرغم من أن مدن الإقليم في هذه الفترة قد تمتعت بشيء من الازدهار الاقتصادي، الا انها عانت من الاضطرابات السياسية، فبالإضافة إلى ازدياد خطر هجمات القبائل الليبية، كانت تلك المدن تتصارع فيما بينها، كما عصفت بها الإنقسامات الداخلية.

http://www.yesmeenah.com/smiles/smiles/38/1%20%28644%29.gif

العلاقة مع الرومان

غزا الإسكندر المقدوني مصر (332 ق .م.) واستولى البطالمة الذين خلفوه في حكم مصر على إقليم قورينا (332 ق .م.) إذ ساد شيء من الهدوء النسبي وأصبحت مدن الإقليم تعرف جميعا باسم بنتابوليس ، أي أرض المدن الخمس، فقد تكون اتحاد إقليمي يضم هذه المدن ويتمتع بالاستقلال الداخلي، وبقيت قورينا تحت الحكم البطلمي حتى أرغم على التنازل عنها لروما سنة (96 ق .م.) وصار الإقليم تحت رعاية مجلس الشيوخ وكان يٌكوّن مع كريت ولاية رومانية واحدة إلى أن فصلها الإمبراطور قلديانوسفي نهاية القرن الثالث الميلادي.
عند اعتراف الإمبراطور قسطنطين الأول بالمسيحية في النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، نجد أن تلك الديانة كانت قد انتشرت في ليبيا، ولكن يجب ألا نفهم أن ذلك كان يعني القضاء على الوثنية، فقد تعايشت الديانتان جنبا إلى جنب فترة قاربت القرن ونصف القرن من الزمان حتى بعد أن جعل الإمبراطور ثيودوسيوس الأول المسيحيةالدين الرسمي والأوحد في الإمبراطورية في مرسوم أصدره سنة (392 م) وهذا أمر لا تختلف فيه ليبيا عن بقية أقاليم الدولة الرومانية. وكان أول أسقف لإقليم برقة بليبيا سجّله التاريخ شخصا يدعى آموناس، وحضر أساقفة من مدن البنتابوليس أول مؤتمر مسيحي عالمي، وهو المؤتمر الذي دعا إلى عقده الإمبراطور قسطنطين في مدينةنيقيا سنة (325 م) وكان الأسقف سينسيوس القوريني أهم شخصيات الفترة المسيحية في برقة، تولى أسقفية طلميثة وذهب إلى البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية في عهد الإمبراطور أركاديوس ليعرض المشاكل التي كانت تواجه الإقليم والتي كان من أهمها الضرائب الثقيلة المفروضة على مدنه، وان المشكلة الرئيسية التي واجهت الإقليم في أيامه هي الدفاع ضد غزوات القبائل الليبية التي زادت حدتها بعد عام (332 م) ولما لم يكن في الإمكان الاعتماد على مساعدة الحكومة الإمبراطورية، قام المستعمرون سكان المدن والمناطق الريفية القريبة بتنظيم حرس محلي لصد هجمات قبائل ليبيا، وان الصورة التي يعطيها سينسيوس عن الأوضاع في الإقليم دفعت كثيرا من الدارسين إلى القول بأن الحياة في البنتابوليس قد خبت نهائيا في القرن الخامس الميلادي، ومع ذلك فإن الآثار القديمة تثبت أنه بينما كانت المدن تتضاءل ظل الريف محتفظا بحيوية ملحوظة لمدة قرنين من الزمان بعد ذلك.
ولم يكن الأمر يختلف بالنسبة لمدن الساحل الغربي لليبيا، فبعد زوال الأسرة السيفيرية في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي سادت الإمبراطورية حالة من الفوضى والحروب الأهلية لمدة نصف قرن، بينما استطاعت الأقاليم الأخرى في الإمبراطورية استرداد أنفاسها بعد تلك الأزمة وعاد إليها شيء من الأمن والنظام، استمرت الاضطرابات تعصف بليبيا والشمال الإفريقي، الأمر الذي سهل وقوعه في أيدي الوندال ، حيث عبرت جموع الوندال إلى ليبيا وشمال أفريقيا حوالي سنة (430 م) واستولت على مدن إقليم طرابلس (ليبيا) التي عانت الكثير مما يلحقه الوندال عادة من خراب ودمار في كل مكان يحلون فيه، وعلى الرغم من أن الإمبراطورية الرومانية قد استعادت اقليم ليبيا في القرن السادس الميلادي في عهد الإمبراطور جستينيان عندما نجح قائده بلزاريوس من طرد الوندال، فإن ليبيا سواء في إقليم برقة أو في إقليم طرابلس، ظلت تعاني من آثار تلك الجروح العميقة التي خلفتها جحافل الوندال، وأصبحت ليبيا بأكملها مستعدة لاستقبال أي فاتح جديد يخلصها من حالة الفوضى والاضطراب والضعف، وفي هذه الأثناء لاحت في الأفق طلائع الفاتحين من العرب المسلمين، الذين جاءوا ليضعوا نهاية لذلك الوضع السيئ وليفتحوا صفحة جديدة في تاريخ ليبيا العربي الإسلامي.




الدولة الاسلامية

انتشر المسلمون العرب في كل أرجاء ليبيا واندمجوا مع السكان المحليين استطاع العرب بعد فترة وجيزة من قدومهم لليبيا أن يوطدوا أركان حكمهم وأن ينشروا الأمن في ربوعها، وبقيت ليبيا تابعة للخليفة في المشرق العربي حتى استقل إبراهيم بن الأغلب بولاية أفريقيا حوالي سنة(800 م) وأصبحت تبعيته للخلافة في المشرق العربي تبعية اسمية، وهو أمر يبدو أن الخليفة لم يعترض عليه كثيرا وذلك لأن الظروف السياسية في دولته المترامية الأطراف اقتضت اللامركزية في الحكم.
أسس ابن الأغلب أسرة ظلت تحكم ليبيا حتى قيام الدولة الفاطمية سنة (909-910 م) هذا بالنسبة للجزء الغربي من ليبيا، أما الجزء الشرقي من ليبيا فقد ظل في معظم الأحيان تابعا لولاية مصر.





الدولة الفاطمية وغزوة القبائل القيسية

في مطلع القرن العاشر الميلادي، كان دعاة الشيعة نشطين في ليبيا وشمال أفريقيا فجمعوا حولهم عددا كبيرا من الأعوان من الليبين الذين ثاروا على الحكاكم الاغلبي، واستطاعوا في (910 م) أن ينتزعوا تونس من الأغالبة، وعملوا على توطيد أركان حكمهم وأخذ أمراؤهم لقب خليفة، مُتَحَدِين بذلك الخليفة العباسي في بغداد، وفي سنة ( 969 م) نجح جوهر الصقلي قائد جيوش الخليفة العبيدي الفاطمي الرابع المعز لدين الله في أخذ مصر من الإخشيديين و ذلك في مايزيد عن مائة الف جندي من البربر، واختط مدينة القاهرة، التي أصبحت حاضرة الدولة الفاطمية التي انتقل إليها المعز لدين الله سنة (973 م) صحبة اعداد كبيرة من اعوانه من القبائل البربرية "الامر الذي احدث حالة من الاخلاء السكاني "وترك المعز بلكين بن زيري واليا على أفريقية (تونس الحالية و نواحي طرابلس )، وعلى الرغم من الود الذي ميز العلاقة بين الخليفة الفاطمي ونائبه على أفريقية في البداية، فإن ابن زيري وجد أن الترتيبات التي وضعها المعز لدين الله لولاية ليبيا غير مناسبة له، حيث جعل المعز لدين الله كل شؤون ولاية ليبيا المالية في أيدي موظفين يتبعونه مباشرة وهذا ما رفضه ابن زيري الذي ألقى القبض على عمال الخليفة وأرسل خطابا شديد اللهجة إلى المعز في القاهرة. مات المعز لدين الله قبل أن يتمكن من اتخاذ أي إجراء ضد ابن زيري. فخلفه العزيز الذي اعترف بالأمر الواقع وأقر ابن زيري على ولاية ليبيا التي أصبحت الآن تمتد حتى أجدابيا، وظلت الولاية في أيدي بني زيري حتى سنة (1145 م).
وفي عهد المعز بن باديس بن منصور (398-454 هـ/1008-1062 م) الذي حكم الشمال الأفريقي في الفترة 406-454 هـ/1016-1062 م، استقل عن الفاطميين فانتقم الخليفة الفاطمي من ابن زيري بارسال القبائل القيسية من بني هلال وبني سليم و من معهم من جموع القبائل العربية الاخرى والتي كان الفاطميون قد جلبوها من مواطنها في الجزيرة العربية و اسكنوها شرق النيل و دخلت تلك القبائل في موجات متتالية كانت اولى تلك الموجات المتكونة من بني هلال و جشم و المعقل كافية لهزيمة و الي أفريقية و من معه في معركة حيدران التاريخية واحتلوا القيروان وسوسة فتقهقر إلى المهدية ، كانت في حالة من الفوضى والضعف ثم تلى ذلك دخول موجة بني سليم و غطفان (فزارة ، و رواحة ) و التي استوطن اغلبها في ليبيا.
وقد حدث ان احتل النورمانديين مدينة طرابلس الا ان نجح الموحدون في طرد النورمانديين من طرابلس في عام (1158م)و بشكل عام فانه و بسبب سيطرة قبائل الاعراب على اغلب المناطق الليبية و لصعوبة السيطرة على هذه القبائل فانها كانت دائما محتفظة باستقلاليتها ولدى فمن المعروف تاريخيا ان السيطرة على مدينة طرابلس ((و التي كانت تتم في الغالب بمعاونة هذه القبائل ))لم تكن يوما كافية للسيطرة على الاراضي المكونة لليبيا الحالية،و قد بقي هذا الوضع حتى فترة الجهاد الليبي ضد الطليان و ما بعدها .
احتل الأسبان طرابلس سنة (1510م) وظلوا يحكمونها حتى سنة (1530م) عندما منحها شارل الخامس إمبراطور الإمبراطورية الرومانية لفرسان القديس يوحنا الذين صاروا يعرفون في ذلك الوقت بفرسان مالطا. وبقي الفرسان في طرابلس إحدى وعشرين سنة، ولم يكن الفرسان متحمسين كثيرا للاحتفاظ بطرابلس، فبالإضافة للعداء الذي أظهره الليبيون تجاههم لأنهم اعتبروهم عنصرا أجنبياً دخيلاً وأهم من ذلك أنهم أعداء في الدين، اعترض الفرسان على تلك المنحة التي تعني تقسيم قواتهم، كما أن المسافة التي تفصل مالطا عن طرابلس تعني تعذر العون في حالة أي هجوم.




الخلافة العثمانية

في سنة (1551 م)، وبعد الاستغاثات التي وجهها سكان ليبيا إلى السلطان العثماني، باعتباره خليفة للمسلمين، حضر سنان باشا ودرغوت باشا إلى طرابلس، ففرضا عليها حصارا دام أسبوعاً واحداً وانتهى بسقوط المدينة، وفي الواقع أن طرابلس لم تكن أبدا مركزا يستطيع فرسان القديس يوحنا الاحتفاظ به ضد أية مقاومة.
دخلت ليبيا منذ (1551 م) عهدا جديدا اتفق المؤرخون على تسميته ب العهد العثماني الأول والذي ينتهي (1711 م) عندما استقل أحمد باشا القره مانلي بزمام ولاية ليبيا .
وقد شمل الحكم العثماني كافة أقاليم ليبيا: طرابلس الغرب وبرقة وفزان، وكان يدير شؤونها وال (باشا) يعينه السلطان، ولكن لم يمض قرن من الزمان حتى بدأ الضعف يدب في أوصال الدولة العثمانية نتيجة تكالب الدول النصرانية الأوروبية على الولايات العثمانية، ودخول دولة الخلافة العثمانية عدة حروب في آن واحد، مع الروس واليونانيين والبلغار والرومان والأرمن واليوغسلاف والانجليز وعرب الجزيرة الذين تحالفوا مع الإنجليز وخسارتها الحرب العالمية الثانية، وأصبحت حكومة الخلافة عاجزة عن حماية ولاياتها وفرض النظام والتحكم في الولاة الذين صاروا ينصبون ويعزلون حسب نزوات الجند في جو مشحون بالمؤامرات والعنف. وفي كثير من الأحيان لم يبق الوالي في منصبه أكثر من عام واحد حتى أنه في الفترة ما بين سنة (1672 م-1711 م) تولى الحكم أربعة وعشرون واليا على ليبيا، ولقد مرت ليبيا بأوقات عصيبة عانى الليبييون فيها الويلات نتيجة لاضطراب الأمن وعدم الاستقرار.




الدولة القره مانلية

في سنة 1711م قاد أحمد القره مانلي ثورة شعبية أطاحت بالوالي العثماني، وكان أحمد هذا ضابطاً في الجيش العثماني فقرر تخليص ليبيا من الحكام الفاسدين ووضع حد للفوضى، ولما كان شعب ليبيا قد ضاق ذرعا بالحكم الصارم المستبد فقد رحب بأحمد القره مانلي الذي تعهد بحكم أفضل، وقد وافق السلطان على تعيينه باشا على ليبيا ومنحه قدرا كبيرا من الحكم الذاتي، ولكن القره مانليين كانوا يعتبرون حتى الشؤون الخارجية من اختصاصتهم، وكانت ليبيا تمتلك أسطولا بحرياً قويا مكنها من أن تتمتع بمكانة دولية مهيبة وأصبحت تنعم بنوع من الاستقلال.
أسس أحمد القره مانلي أسرة حاكمة استمرت في حكم ليبيا حتى (1835م) ويعتبر يوسف باشا القره مانليYusufKaramanli أبرز ولاة هذه الأسرة. كان يوسف باشا حاكما طموحا أكد سيادة ليبيا على مياهها الإقليمية وفرض الجزية (رسوم المرور) عبر مياه البحر الابيض المتوسط على كافة سفن الدول البحرية الأمريكيةوالأوروبية (بريطانيا و السويد و فرنسا و إيطاليا)، وفي سنة 1803م طالب بزيادة الرسوم على السفن الأمريكية تأمينا لسلامتها عند مرورها في مياه ليبيا والبحر المتوسطوعندما رفضت الولايات المتحدة النزول عند رغبة ليبيا، استولت البحرية الليبية على إحدى سفنها، الأمر الذي دفع حكومة أمريكا إلى الدخول في حرب مع ليبيا فيما عرف ب "حرب السنوات الاربع " وفرضت حصاراً على طرابلس وضربتها بالقنابل ولكن ليبيا استطاعت مقاومة ذ لك الحصار وأسرت البحرية الليبية إحدى أكبر السفن الحربية الأمريكية (فيلاديلفيا) آنذاك مع كامل بحارتها وجنودها في عام 1805م الأمر الذي جعل أمريكا ترضخ وتخضع في النهاية لمطالب ليبيا، وبذلك استطاع يوسف باشا أن يملأ خزائن ليبيا بالأموال التي كانت تدفعها الدول البحرية تأميناً لسلامة سفنها، وتركت هذه الحرب آثارها حتى الآن في البحرية الأمريكية حيث لازال نشيد مشاة البحرية يشير الي شواطئ طرابلس كما ان هناك قطعة حربية تسمى طرابلس ولكن يوسف باشا ما لبث أن أهمل شؤون ليبيا وانغمس في الملذات والترف ولجأ إلى الإستدانة من الدول الأوروبية.
كان السلطان العثماني قد بدأ يضيق بيوسف باشا وبتصرفاته في حكم ليبيا، خاصة عندما رفض يوسف مساعدة الدولة العثمانية في حربها ضد اليونانيين 1829م وفي هذه الأثناء قامت ضد القره مانليين ثورات عربية عارمة بقيادة الشيخ عبد الجليل سيف النصر شيخ قبائل اولاد سليمان و زعيم مناطق سرت و ورفلة و فزان و كذلك ثورة قبائل المحاميد الكبيرة في منطقة غرب و جنوب غرب طرابلس بزعامة الشيخ غومة بن خليفة المحمودي اللذين استقلا بحكم تلك الاقاليم . واشتد ضغط الدول الأوروبية على يوسف لتسديد ديونه، ولما كانت خزائنه خاوية فرض ضرائب جديدة، الأمر الذي ساء شعب ليبيا وأثار غضبه، وانتشر السخط وعمت الثورة كل ليبيا وأرغم يوسف باشا على الاستقالة تاركاً الحكم لابنه علي وكان ذلك سنة 1832م، ولكن الوضع في ليبيا كان قد بلغ درجة من السوء استحال معها الإصلاح.

وعلى الرغم من أن السلطان محمود الثاني ( 1808 -1839) اعترف بعلي واليا على ليبيا فإن اهتمامه كان منصباً بصورة أكبر على كيفية المحافظة على ما تبقى من ممتلكات الدولة العثمانية خاصة بعد ضياع بلاد اليونان و الجزائر (1830 م). وبعد دراسة وافية للوضع في ليبيا (طرابلس) قرر السلطان التدخل مباشرة واعاد سلطته وحكمه على ليبيا، ففي 26 مايو1835 م وصل الأسطول التركي طرابلس والقي القبض على علي باشا ونقله إلى تركيا، وانتهى بذلك حكم القره مانليين في ليبيا وتفاءل الليبيون خيراً بعودة الأتراك العثمانيون ورأوا فيهم حماة لهم ضد مخاطر الفرنسيين في الجزائر و تونس ، وكذلك خطر الإنجليز الذين بدأ نفوذهم يتزايد في مصر والسودان، ولكن اتصال الدولة التركية بليبيا أصبح صعباً ومحفوفاً بالمخاطر نتيجة لوجود الإنجليز في مصر ، الأمر الذي أدى إلى ضعف الحكم التركي في ليبيا وجعل الليبيين يدركون أنه سيكون عليهم وحدهم عبء مواجهة وصد أي خطر خارجي.




الاحتلال الايطالي

كانت إيطاليا آخر الدول الأوروبية التي دخلت مجال التوسع الاستعماري. وكانت ليبيا عند نهاية القرن التاسع عشر، هي الجزء الوحيد من الوطن العربي في شمال أفريقيا الذي لم يتمكن الصليبيون الجدد من الاستيلاء عليه، ولقرب ليبيا من إيطاليا جعلها هدفا رئيسا من أهداف السياسة الاستعمارية الإيطالية، ولم يصعب على إيطاليا اختلاق الذرائع الواهية لاحتلال ليبيا فاعلنت الحرب على تركيا في 29 سبتمبر سنة 1911 م، وبدأت الحرب العثمانية الإيطالية واستطاعت الاستيلاء على طرابلس في 3 أكتوبر من السنة نفسها.
قاومت القوات الليبية و العثمانية الإيطاليين لفترة قصيرة، ولكن تركيا تنازلت عن ليبيا لإيطاليا بمقتضى المعاهدة التي أبرمت بين الدولتين في 18 أكتوبر 1912م (معاهدةاوشئ)، وأدرك الليبيون الآن أن عليهم أن ينظموا صفوفهم ويتولوا بأنفسهم أمر المقاومة والجهاد ضد المستعمر، وقد اشتدت مقاومة الليبيين للقوات الإيطالية مما حال دون تجاوز سيطرة الإيطاليين المدن الساحلية، ولما دخلت إيطاليا الحرب العالمية الأولى 1915 م انضم أحمد الشريف ، الذي كان يتولى قيادة المقاومة ضد الغزو الإيطالي في برقة، إلى جانب تركيا ضد الحلفاء، ولكن بعد هزيمة قواته تنازل عن الزعامة لإدريس السنوسي وقاد الجهاد نيابة عنه في منطقة الجبل الاخضر المجاهد عمر المختار و عدد من مشائخ القبائل العربية مثل صالح الاطيوش و عبد السلام الكزة. وفي المنطقةالوسطى قاد الجهاد مجموعة من مشائخ القبائل امثال حمد سيف النصر . اما في المنطقة الغربية فقد قاد الجهاد مجموعمة من الزعماء و المشائخ منهم رمضان السويحلي و احمد المريض ومحمد سوف المحمودي و سليمان الباروني و عبد النبي بلخير ومحمد بن عبد الله البوسيفي .





الحرب العالمية الثانية

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية، رآها الليبيون فرصة يجب استغلالها من أجل تحرير ليبيا، فلما دخلت إيطاليا الحرب 1940 م انضم الليبيون إلى جانب صفوف الحلفاء، بعد أن تعهدت بريطانيا صراحة بأنه عندما تضع الحرب أوزارها فإن ليبيا لن تعود بأي حال من الأحوال تحت السيطرة الإيطالية. و قد تحالف السنوسية مع البريطانيين مكونيين الجيش السنوسي من أبناء القبائل بزعامة ادريس السنوسي و دخلوا مع القوات البريطانية اقليم برقة من مصر حيث كانوا فارين من وجه الطليان ، حيث تم اعلان ادريس السنوسي اميرا على برقة .
و كذلك دخل الشيخ حمد سيف النصر بمن معه من القبائل صحبة القوات الفرنسية التي دخلت عن طريق مناطق السودان الأوسط (تشاد) و اعلن الشيخ حمد اميرا على فزان .
كانت الشكوك تساور الليبيين في نوايا بريطانيا بعد انتهاء الحرب، واتضحت هذه النوايا بعد هزيمة إيطاليا الفاشية وسقوط كل من بنغازي وطرابلس في أيدي القوات البريطانية. كان هدف بريطانيا المتماشي مع سياستها المعهودة (فرق تسد)، هو الفصل بين إقليمي برقة وطرابلس ومنح فزان لفرنسا، وكذلك العمل على غرس بذور الفرقة بين أبناء ليبيا وبينما رأى الليبيون أنه بهزيمة إيطاليا سنة 1943م يجب أن تكون السيادة على ليبيا لأهلها، الا ان الإنجليز والفرنسيين رفضوا ذلك وصمموا على حكم ليبيا حتى تتم التسوية مع إيطاليا.
أصبحت هاتان الدولتان تتحكمان في مصير ليبيا ضد رغبات الشعب الليبي، وبعد كثير من المفاوضات، تم بفضل الله الاتفاق على منح برقة استقلالها الذي اعترف به الإنجليز على الفور، وكان ذلك في أول يونيو 1949م ولكن هذا الإجراء الذي كانت غايته تقسيم ليبيا وتهدئة الليبيين وإلهائهم عن قضيتهم لم يُسكت صوت أحرار ليبيا الذين استمروا في المطالبة بحقوقهم واستعادة حريتهم، هذا الإصرار من جانب شعب ليبيا ضمن لقضية ليبيا مكاناً في جداول أعمال المؤتمرات التي عقدتها الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية كما نقل الليبيون قضيتهم إلى الأمم المتحدة.




استقلال ليبيا

في هذه الأثناء كانت الدوائر الاستعمارية تدبر المكائد وتحيك المؤامرات على مستقبل ليبيا، فقد اتفقت بريطانيا و إيطاليا في 10 مارس1949 م على مشروع (بيفن سيفورزا) الخاص بليبيا الذي يقضي بفرض الوصاية الإيطالية على طرابلس والوصاية البريطانية على برقة والوصاية الفرنسية على فزان، على أن تمنح ليبيا الاستقلال بعد عشر سنوات من تاريخ الموافقة على مشروع الوصاية، وقد وافقت عليه اللجنة المختصة في الأمم المتحدة في يوم 13 مايو1949 م وقُدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للإقتراع عليه، ولكن المشروع باء بالفشل لحصوله على عدد قليل من الأصوات المؤيدة، نتيجة للمفاوضات المضنية لحشد الدعم لإستقلال ليبيا التي قام بها وفد من احرار ومناضلي ليبيا للمطالبة بوحدة واستقلال ليبيا، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 289 في 21/11/1949 م الذي يقضي بمنح ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952 م، وكُوِنت لجنة لتعمل على تنفيذ قرار الأمم المتحدة ولتبذل قصارى جهدها من أجل تحقيق وحدة ليبيا ونقل السلطة إلى حكومة ليبية مستقلة.
وفي شهر أكتوبر 1950م تكونت جمعية تأسيسية من ستين عضواً يمثل كل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة (عشرون عضواً) وفي 25 نوفمبر من السنة نفسها اجتمعت الجمعية التأسيسية برئاسة مفتي طرابلس لتقرر شكل الدولة، وعلى الرغم من اعتراض ممثلي طرابلس على النظام الإتحادي فقد تم الإتفاق، وكلفت الجمعية التأسيسية لجنة لصياغة الدستور، فقامت تلك اللجنة بدراسة النظم الإتحادية المختلفة في العالم وقدمت تقريرها إلى الجمعية التأسيسية في سبتمبر 1951 م وكانت قد تكونت حكومات إقليمية مؤقتة بليبيا، وفي 29 مارس1951م أعلنت الجمعية التأسيسية عن تشكيل حكومة اتحادية لليبيا مؤقتة في طرابلس برئاسة السيد محمود المنتصر، وفي يوم 12/10/1951 م، نقلت إلى الحكومة الإتحادية والحكومات الإقليمية السلطة كاملة ما عدا ما يتعلق بأمور الدفاع والشؤون الخارجية والمالية، فالسلطات المالية نقلت إلى حكومة ليبيا الاتحادية في 15/12/1951 م، وأعقب ذلك فق 24 ديسمبر1951 م إعلان الدستور واختيار ادريس السنوسي ملكا ل المملكة الليبية المتحدة بنظام فيدرالي يضم ثلاثة ولايات (طرابلس، برقة، فزان). ولكن على الرغم من كل ما قامت به بعض الدوائر الاستعمارية بعد 1951 م من أجل الإبقاء على ليبيا مقسمة وضعيفة تحت ذلك النظام الإتحادي، فإن شعب ليبيا عبر ممثليه المنتخبين قاموا في 26 أبريل1963م بتعديل دستورهم وأسسوا دولة ليبيا الموحدة وأزالوا جميع العقبات التي كانت تحول دون وحدة ليبيا تخت اسم المملكة الليبية وعاصمتها طرابلس.




ثورة الفاتح من سبتمبر

وفي الاول من سبتمبر 1969 م قام مجموعة من الظباط الشبان من ذوي الرتب الصغيرة وبقيادة الملازم معمر القذافي بتحرك ضد النظام الملكي والقيام ب ثورة الفاتح من سبتمبر واعلنوا الجمهورية العربية الليبية.




اعلان قيام سلطة الشعب

في 2 مارس 1977 تم الاعلان عن قيام الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية وتحويل النظام السياسي من النظام الجمهوري إلى النظام الجماهيري بمؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ.

هيثــــــم
12-13-2009, 12:53 PM
من هي قسنطينة ؟

مدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، و من كبريات مدن الجزائر مساحة و تعداد في السكان. تتميز المدينة القديمة بكونها مبنية على صخرة الغرانيت القاسي، مما أعطاها منظرا فريدا يستحيل أن يوجد مثله عبر العالم في أي مدينة. للعبور من ضفة إلى أخرى شيد عبر العصور عدة جسور، فأصبح قسنطينة تضم اكثر من 8 جسور بعضها تحطم لإنعام الترميم، و بعضها مازال يصارع الزمن، و أسميت قسنطينة مدينة الجسور المعلقة. يمر وادي الرمال على مدينة قسنطينة القديمة و تعلوه الجسور على ارتفاعات تفوق 200 متر

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/cn096.jpg

تاريخ المدينة

بدأ تاريخ المنطقة مع قدوم البربر و انتظامهم في قبائل. أطلق الإغريق عليهم اسم الليبيين، النوميديين. اشتهرت سيرتا -الإسم القديم لقسنطينة - لأول مرة عندما اتخذها ماسينيسا ملك نوميدية عاصمة للمملكة. عرفت المدينة بعدها حصار يوغرطة الذي رفض تقسيم مملكة أبيه إلى ثلاث أقسام، بفضل دعم الرومان و بعد حصار دام خمسة أشهر اقتحم تحصينات المدينة و استولى عليها. عادت سيرتا لتحيا مجدا جديدا مع يوغرطة ملك نوميدبة الجديد و الذي استطاع أن يتفادى انقسام المملكة إلى ممالك.

دخلت المدينة بعدها تحت سلطة الرومان. أثناء العهد البيزنطي تمردت سنة 311 م. على السلطة المركزية فاجتاحتها القوات الرومانية من جديد و أمر الإمبراطور ماكسينوس بتخريبها. أعاد الإمبراطور قسنطنطين بناءها عام 313 م. و أخذت اسمه و صارت تسمى القسطنطينة أو قسنطينة. عرفت ابتداء من سنة 429 م. غزوات الوندال. ثم استعادها البيزنطيون.

http://www.constantine.free.fr/images/photos-anciennes/P4206127_petit.jpg


دخول الإسلام للمدينة

مع دخول المسلمين المغرب عرفت المدينة نوعا من الإستقلال فكان أهلها يتولون شؤونهم بنفسهم و حتى القرن التاسع. عرفت المنطقة قدوم القبائل الهلالية في القرن العاشر و طغت بعدها اللغة العربية على أهالي المنطقة. دخلت المدينة في عهدة الزيريين ثم الحماديين أصحاب القلعة و بجاية. استوطن المدينة الأندلسيون كما استقرت بها جالية يهودية مهمة ساعدهم في ذلك التسامح الذي أبداه الأهالي اتجاهم (وجدير بالذكر أن قدوم اليهون كان بعد سقوط الأندلس التي كانوا يعيشون فيها بسلام في ظل الحكم الإسلامي، ثم طردهم المسيحيون المتعصبون للكنيسة الكاثوليكية في روما بعد سقوط آخر حكام الأندلس). منذ القرن الثالث عشر انتقلت المدينة إلى حوزة الحفصيين أصحاب تونس و بقيت في أيديهم حتى دخول الأتراك الجزائريين.

قبل استقرارهم نهائيا في المنطقة حاول الأتـراك احتلال المدينة مرات عدة، و كانوا دوما يصطدمون بمقاومة الحقصيين. سنة 1568 م. قاد الداي محمد صالح رايس حملة على المدينة، استطاع أن يستولي عليها من غير قتال. و دانت له البلاد بعد طرد عبد المومن زعيم الحفصيين و معه قبيلة أولاد صاولة. تم اختيار قسنطينة لتكون عاصمة بايليك الشرق. قام صالح باي (1771-1792 م.) بتهيئة المدينة و أعطائها طابعها المميز.من أهم أعماله بناء جامع و مدرسة القطانية. و مدرسة سيدي لخضر و التي عني فيها يتدريس اللغة العربية. كما قام بانشاء حي خاص لليهود بعد كانوا متوزعين في أنحاء المدينة

http://www.constantine.free.fr/images/nb50-60/sidimcid3.jpg

قسنطينة والإستعمار الفرنسي

سنة 1830 م. و مع احتلال الجزائر من طرف الفرنسيين رفض أهالي المدينة الإعتراف بسلطة الفرنسيين. قاد أحمد باي الحملة و استطاع أن يرد الفرنسيين مرتين في سنتين مختلفتين في معارك للأستيلاء على القنطرة التي كانت تمثل بوابة الشرق. عام 1837 م. استطاعت الحملة الفرنسية بقيادة دوموريير عن طريق خيانة من أحد سكان المدينة اليهود (حيث استطاع الفرنسيون من التسلل إلى المدينة عبر معابر سرية توصل إلى وسط المدينة) و عن طريق المدفعية أيضا من احداث ثغرة في جدار المدينة. ثم حدث الإقتحام. اصطدم الجنود الفرنسيون بالمقاومة الشرسة للأهالى و اضطروا لمواصلة القتال في الشوارع و البيوت. انتهت المعركة أخيرا بمقتل العديد من الأهالي، واستقرار المحتلين في المدينة بعد عدة سنوات من المحاولات الفاشلة. استطاع الباي أحمد و خليفته بن عيسى الفرار إلى الجنوب .


شعار المدينة في زمن الإستعمار
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/ar/0/08/%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%B1_ %D9%82%D8%B3%D9%86%D8%B7% D9%8A%D9%86%D8%A9_1.jpg



شعار المدينة بعد الاستقلال
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/ar/e/ef/%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%B1_ %D9%82%D8%B3%D9%86%D8%B7% D9%8A%D9%86%D8%A9_2.jpg



إليكم صور بعض الجسور الخلابة والساحرة
http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/cne103_petit.jpg

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/cne098_petit.jpg

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/cne094_petit.jpg

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/cne102_petit.jpg

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/cne096_petit.jpg

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/cne097_petit.jpg

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/Constantine214_petit.jpg

http://www.constantine.free.fr/images/mai2004/ponts/Constantine216_petit.jpg

__________________

هيثــــــم
12-14-2009, 12:09 PM
الإسكندرية، العاصمة الثانية لمصر و أكبر مدنها بعد العاصمة القاهرة. هي أكبر ميناء في مصر، يبلغ عدد سكانها 3,341,000 على البحر المتوسط. أسسها الإسكندر 333 ق.م، فغدت مركزًا للثقافة العالمية. اشتهرت بمكتبتها الغنية وبمدرستها اللاهوتية والفلسفة في قرنين. شيد البطالمة منارة الإسكندرية، والتي اعتبرت من عجائب الدنيا السبع، وذلك لإرتفاعها الهائل حوالي 35 مترًا. ظلت هذه المنارة قائمة حتى دمرها زلزال شديد سنة 1307م. وحديثاً، بُني في الإسكندرية مكتبة جديدة في عام 2001م.


مثل القاهرة فالإسكندرية محافظة مدينة، أي أنها محافظة تشغل كامل مساحتها مدينة واحدة، وفي نفس الوقت مدينة كبيرة تشكل محافظة بذاتها.



مقدمة

أسس الإسكندر الأكبر مدينة الأسكندرية بمصر 21 يناير 331 ق.م كمدينة يونانية. و أصبحت أكبر مدينة في حوض البحر الأبيض المتوسط. و تقع مدينة الإسكندرية علي البحر فوق شريط ساحلي شمال غربي دلتا النيل و وضع تخطيطها المهندس الإغريقي (دينوقراطيس) بنكليف من الإسكندر لتقع بجوار قرية قديمة للصيادين كان يطلق عليها راكوتا (راقودة). و المدينة قد حملت إسمه. وسرعان ما إكتسبت شهرتها بعدما أصبحت سريعا مركزا ثقافيا و سياسيا و اقتصاديا و لاسيما عندما كانت عاصمة لحكم البطالمة في مصر و كان بناء المدينة أيام الإسكندر الأكبر امتدادا عمرانيا لمدن فرعونية كانت قائمة وقتها و لها شهرتها الدينية و الحضارية و التجارية. و كانت بداية بنائها كضاحية لمدن هيركليون و كانوبس و منتوس.

و إسكندرية الإسكندر كانت تتسم في مطلعها بالصبغة العسكرية كمدينة للجند الإغريق ثم تحولت أيام البطالمة الإغريق إلي مدينة ملكية بحدائقها و أعمدتها الرخامية البيضاء و شوارعها المتسعة و كانت تطل علي البحر و جنوب شرقي الميناء الشرقي الذي كان يطلق عليه الميناء الكبير مقارنة بينه و بين مبناء هيراكليون عند أبوقير علي فم أحد روافد النيل التي اندثرت و حاليا انحسر مصب النيل ليصبح علي بعد 20 كيلومترا من أبوقير عند رشيد. و المدينة الجديدة قد اكتسبت هذه الشهرة من جامعتها العريقة و مجمعها العلمى"الموسيون" و مكتبتها التى تعد أول معهد أبحاث حقيقى فى التاريخ و منارتها التي أصبحت أحد عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.

فقد أخذ علماء الإسكندرية فى الكشف عن طبيعة الكون و توصلوا إلى فهم الكثير من القوى الطبيعية. و درسوا الفيزياء و الفلك و الجغرافيا و الهندسة و الرياضيات و التاريخ الطبيعى و الطب و الفلسفة و الأدب. و من بين هؤلاء الأساطين إقليدس عالم الهندسة الذى تتلمذ على يديه أعظم الرياضيين مثل أرشميدس و أبولونيوس و هيروفيلوس فى علم الطب و التشريح و إراسيستراتوس فى علم الجراحة و جالينوس في الصيدلة و إريستاكوس فى علم الفلك و إراتوستينس فى علم الجغرافيا و ثيوفراستوس فى علم النبات و كليماكوس و ثيوكريتوس فى الشعر و الأدب فيلون و أفلاطون في الفلسفة و عشرات غيرهم أثروا الفكر الإنساني بالعالم القديم.

و لقد عثر الباحثون عن آثار الإسكندرية القديمة و أبو قير تحت الماء علي أطلال غارقة عمرها 2500 سنة لمدن فرعونية –إغريقية. و لاتعرف حتي الآن سوي من خلال ورودها فيما رواه المؤرخون الرحالة أو ما جاء بالأساطير و الملاحم اليونانية القديمة. و كانت مدينتا هيراكليون و منتيس القديمتين قرب مدينة الإسكندرية القديمة و حاليا علي عمق 8 متر بخليج أبو قير. و كانت هيراكليون ميناء تجاريا يطل علي فم فرع النيل الذي كان يطلق عليه فرع كانوبس. ومدينة منتيس كانت مدينة دينية مقدسةحيث كان يقام بها عبادة إيزيس وسيرابيس. و المدينتان غرقتا في مياه البحر الأبيض المتوسط علي عمق نتيجة الزلازل أو فيضان النيل. و كان لهذا ميناء هيراكليون الفرعوني شهرته لمعابده و ازدهاره تجاريا لأنه كان أهم الموانيء التجارية الفرعونية علي البحر الأبيض المتوسط. فلقد اكتشفت البعثات الاستكشافية مواقع الثلاث مدن التراثية التي كانت قائمة منذ القدم و هي هيراكليون و كانوبس و مينوتيس. فعثرت علي بيوت و معابد و تماثيل و أعمدة.

فلأول مرة تجد البعثة الإستكشافية الفرنسية شواهد علي هذه المدن التي كانت مشهورة بمعابدها التي ترجع للآلهة إيزيس وأوزوريس وسيرابيس مما جعلها منطقة حج و مزارات مقدسة. وظلت الإسكندرية عاصمة لمصر إبان عهود الإغريق و الرومان و البيزنطيين حتي دخلها العرب. و انتقلت العاصمة منها لمدينة الفسطاط التي أسسها عمرو بن العاص عام 21هـ–641م.



تاريخ الإسكندرية

عند بداية القرن الرابع قبل الميلاد، لم يكن هناك شئ سوى رمال بيضاء و بحر واسع و جزيرة ممتدة أمام الساحل الرئيسي تدعى "فاروز"، بها ميناء عتيق.. و على الشاطئ الرئيسي قرية صغيرة تدعى "راكتوس" يحيط بها قرى صغيرة أخرى تنتشر كذلك ما بين البحر و بحيرة مريوط، يقول عنها علماء الآثار أنها ربما كانت تعتبر موقع إستراتيجي لطرد الأقوام التى قد تهجم من حين إلى آخر من الناحية الغربية لوادي النيل أو لربما كانت "راكتوس" مجرد قرية صغيرة تعتمد على الصيد ليس إلا..

هذا هو وصف المكان لما هو معروف الآن بمدينة الإسكندرية التي كانت بلا منازع ولقرون طويلة مركز الفكر فى العالم القديم.. إذن فما هو الحدث الذي حول تلك الرمال إلى أشهر مدينة على البحر المتوسط وبالتحديد عند ما يعرف الآن ببلاد اليونان حيث كانت وقتها مجرد مدن إغريقية متفرقة وقوية.. و فى مقابل قوتهم كانت هناك بلاد الفرس التى كانت تحتل ما هو معروف الآن بالعراق و الشام و فلسطين و مصر. و حاولت أساطيل الفرس غزو الجزر اليونانية مما جعل ممالكهم تشعر بضرورة التوحد لمواجهة الخطر الفارسى فبرز فيليب، ملك مقدونيا خلال القرن الرابع قبل الميلاد فوحد تلك المدن اليونانية ثم قام بمحاولة عبور آسيا الصغرى (تركيا الآن) لمواجهة الفرس غير انه توفى ليكمل المسيرة ابنه الإسكندر فى عام 336 ق م و هو ما يزال فى العشرين من عمره..

فزحف ليفتح آسيا الصغرى ثم الشام ثم فلسطين إلى أن وصل إلى مصر بعد هزائم ساحقة للفرس.. و فى مصر(عام 332 ق م) استقبله المصريون بالترحاب نظراً للقسوة التى كانوا يعاملون بها تحت الاحتلال الفارسى..و بعد أن زار مدينة منف (الآن جنوب الجيزة) تم تتويجه ملكاً على مصر، قام بزيارة معبد آمون بواحة سيوة حيث أجرى الكهنة طقوس التبنى ليصبح الإسكندر ابناً لآمون .. و فى طريقه إلى سيوة، أعجبته تلك الأرض الممتدة بين البحر المتوسط وبحيرة مريوط و تلك الجزيرة الممتدة أمام الشاطئ فأمر ببناء مدينة هناك لتكون نقطة وصل بين مصر و اليونان.. و بعد بضعة شهور، ترك الإسكندر مصر متجهاً نحو الشرق ليكمل باقى فتحاته.. ففتح بلاد فارس (إيران) ليصبح الإسكندر هو حاكم كل الإمبراطورية الفارسية بلا منازع حيث أخذ لقب "سيد آسيا" ولكن طموح الملك الشاب لم يتوقف بل سار بجيشه حتى وصل إلى الهند و أواسط آسيا ..

و بينما كان الإسكندر عند منطقة الخليج الفارسى(العربى) فاجأه المرض الذى لم يدم طويلاً حيث داهمه الموت بعد عشرة أيام وهو لم يتجاوز ال33 من العمر ليتم نقل جثمانه إلى مصر ليدفن فى الإسكندرية والتى لم يحالفه الحظ لرؤيتها مرة أخرى




تخطيط المدينة

بعد أن أمر الإسكندر ببناء المدينة، وكل مهندسه المعماري "دينوكراتس" لتصميم و تنفيذ المدينة الجديدة و التي شهدت عملية بناء و تطوير كبير بعد موته و طوال فترة حكم البطالمة..حيث تم وصل المنطقة المائية ما بين جزيرة الفاروز و المدينة.. و قد بدا هذا الردم كخط طويل ضيق، اتسع بمرور الزمن ليكون تلك الأرض المعروفة الآن منطقة "المنشية"!! كما تم بناء سور للمدينة ، له بوابتان: بوابة شرقية ، أطلق عليها "بوابة الشمس" و بوابة غربية ، أطلق عليها "بوابة القمر".. كما تم بناء شارعين رئيسيين أحدهم عامودى على الآخر ، أحدهم ما هو معروف الآن بشارع "النبى دانيال" (شارع سوما فى العهد الإغريقى)! كذلك فقد تم ربط الإسكندرية بنهر النيل عن طريق حفر قناة من فرع النيل الذى كان يمتد حتى أبى قير والمعروف بـ"كانوبص" (الآن جاف)..حيث كان للنيل عدة فروع بجانب فرعى رشيد و دمياط..على أن أهم ما تم بناءه فى الإسكندرية كان المكتبة الشهيرة التى كانت مصدر جذب لجميع طلبة العلم فى العالم بأسره و منارة الإسكندرية التى كانت من عجائب الدنيا السبع..

http://img182.imageshack.us/img182/7646/7lighthousete7.gif

بعد موت الإسكندر: البطالمة يحكمون

لم يحالف الحظ الإسكندر لرؤية و لو مبنى واحد من المدينة التى أمر ببنائها حيث عاد إليها بعد موته ليدفن جثمانه بها..و حيث انه لم يكن له ابن شرعى، فقد تم تجزئة إمبراطوريته بين ثلاث من قواد جيشه و كانت مصر من نصيب أمهرهم و هو: "بطليموس"، و الذى حكمت أسرته مصر طيلة الثلاث قرون التالية..

و رغم كونه غير مصرى(مقدونى المولد) إلا أنه شهد ميلاد المدينة الجديدة و التى أرادها أن تصبح عاصمة ثقافية و فكرية للعالم أجمع و فى عهده (من 323 ق م إلى 304 ق م) اتسعت مملكته لتشمل ليبيا وفلسطين وقبرص بجانب مصر. و منذ عهده أصبحت الإسكندرية هى عاصمة مصر..

و انتعشت المدينة فى عهد بطليموس الثاني الذى كان شغوفاً بالعلم و المعرفة فأقام مكتبة الإسكندرية الشهيرة وجمع كل الكتب من اليونان وسورية وبابل وبلاد فارس والهند..اشتراها بماله الخاص و وضعها فى المكتبة ويأتى الطلبة من جميع أنحاء العالم ليتعلموا أمور العلم و الرياضيات والفلسفة و.. فى الإسكندرية..

كذلك قرر أن تتم ترجمة التوراة إلى اليونانية. و بناء على طلبه، اختار الكاهن الأكبر لمعبد القدس 72 من كبار اليهود و أرسلهم إلى الإسكندرية ، ليقوموا بشرح التوراة للمترجمين فأتموا ترجمة الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه السلام وأصبحت هذه الترجمة للتوراة معروفة بـ"النص السبعيني". و لم تكن الإسكندرية في ذلك العصر معروفة فقط بأنها عاصمة العلم و المعرفة بل كانت أيضاً معروفة بأنها أكبر مكان لتجمع اليهود على مستوى العالم. حيث كان لانتعاش ونمو المدينة أثر في زيادة الهجرات اليهودية للمدينة..

و كان جيش البطالمة يضم بعض الجنود المرتزقة الذين كان منهم اليهود و الذين سكنوا مصر و بالتحديد فى الإسكندرية . كذلك فقد اشترى بطليموس الثانى الكثير من العبيد اليهود ثم أطلق سراحهم و سمح لهم بالسكن فى الإسكندرية. و الحقيقة أن يهود الإسكندرية فى ذلك العصر قد شاركوا فى نمو المدينة فكرياً فظهر منهم الكثير من الفلاسفة و العلماء.

غير أن البطالمة كانوا حريصين على تقسيم المدينة إلى ثلاث أحياء أو أقسام:
1. يوناني (حي بروشوم).
2. مصري (حي راكتوس والمعروف الآن بكوم الدكة)
3. يهودي (في المنطقة الشرقية من المدينة).
مما كان له من أثر سلبي في ظهور بعض الاضطرابات منذ عهد بطليموس الرابع (221-204 ق م) الذي خاض حروباً في فلسطين أدت فى النهاية لضياع الشام من قبضة مصر مما كان له من أثر سلبي على يهودي الإسكندرية الذين أظهروا كثير من التمرد و العنف طيلة الثلاثون عاماً التالية و من وقت لآخر حتى سقوط البطالمة.

و بصفة عامة كان للبطالمة الجانب المضيء و السلبي أمرهم كأمر أي شئ في العالم: فالنهضة العلمية و الفكرية..المكتبة..منارة الإسكندرية ..القصر الملكي ..المعابد و على رأسها معبد سيرابيس..و وصل جزيرة فاروز بالشاطئ الرئيسي (ما يعرف بالمنشية حاليا) الذي لم يتح فقط سهولة الانتقال للجزيرة بل سمح كذلك بوجود ميناءين للمدينة (ميناء شرقى و غربى).. كذلك التزام البطالمة بالتقاليد و العقائد المصرية حيث مزجوا بين المعبودات المصرية القديمة واليونانية، فقد اعتمدوا بصفة عامة على ولاء الشعب المصري و حكموا كمصريين، و على الجانب الآخر،

كانت معاناة المصري البسيط من سوء الأحوال الاقتصادية بسبب الضرائب المرتفعة..كذلك كان اليونان يمثلون الطبقة العليا في مصر رغم أن الجهاز الإداري ظل في أيدي المصريين.. فضلاً عن أن القصر الملكى قد كثير من الفضائح العائلية من قتل وسرقة للعرش وغيرها.. غير أن العصر الذهبي للإسكندرية كان وبحق من نصيب أول ثلاث حكام بطالمة..



نهاية حكم البطالمة

وبسبب كثير من الصراعات على الحكم داخل الأسرة البطلمية في أواخر عهدها، بدأت روما (القوة الصاعدة الجديدة في ذلك الوقت) في السيطرة على مصر حتى أصبحت مصر في النهاية تحت الوصاية الرومانية منذ عام 80 ق م.. وفى عام 48 ق م،

استعانت كليوباترا بالقائد الروماني يوليوس قيصر للتخلص من أخيها بسبب صراعهم على الحكم..فدخل بجيشه الإسكندرية للقضاء على أخيها و بعد عدة معارك انتصر قيصر وتم قتل أخيها..وبذلك استطاعت كليوباترا الانفراد بحكم مصر! وعلى أحد آراء بعض المؤرخين فقد تم حرق مكتبة الإسكندرية الشهيرة في ذلك الوقت في صراع يوليوس قيصر مع بطليموس الثالث عشر(أخو كليوباترا)..قد دخلت كليوباترا في علاقة حب أولاً مع يوليوس قيصر(الذي قتل في عام 44 ق م)

ثم في علاقة حب أخرى مع القائد الروماني مارك أنتونى، الذي بسببه أقحمت كليوباترا مصر في حرب مع منافسه أوكتافيوس (أغسطس) تلك الحرب التي انتهت بهزيمة الأسطول المصري ومقتل مارك انتونى ثم انتحار كليوباترا ثم أخيراً سقطت مصر كمقاطعة رومانية في عام 30 ق م.

http://img185.imageshack.us/img185/2526/divingmonimentsux4.jpg

مصر ولاية رومانية (30 ق م – 631 م)

رغم أن البطالمة لم يكونوا من المصريين إلا انهم حكموا كمصريين- فراعنة- وشهدت الإسكندرية في عهدهم ميلادها الحقيقي و ازدهارها الأول وكانت عاصمة لمصر لأكثر من ثلاثة قرون ، إلا أن الرومان حولوا مصر من دولة مستقلة ذات سيادة إلى مجرد ولاية تابعة للإمبراطورية الوليدة –روما- فلم يقدموا الكثير ليحظوا باحترام أو تقدير المصريين! فقد حظى عهدهم بكثير من الأحداث و الصراعات ..

بدأ حكمهم بإلغاء مجلس المدينة في الإسكندرية العاصمة (ما يعرف بالبرلمان حالياً) مما أثار الاحتجاج و الغضب، كذلك تم نزع جميع القوى عن الأسرة البطلمية مما أدى إلى ظهور طبقة من الأثرياء النبلاء بلا عمل! كما زادت الضرائب و كأنها نوع من "العقاب" الجماعي و كان القمح يزرع فى مصر و يشحن من الإسكندرية إلى روما ليطعم أهلها! مما جعل لمصر أهمية خاصة..

و خوفاً من الطبيعة المتمردة الثائرة التي وصف بها أهل الإسكندرية في تلك الحقبة و كذلك ذكرى نهاية كليوباترا و مارك أنتونى في المدينة و سقوط مصر و ما صاحب تلك الفترة من توتر ، فقد فكر الإمبراطور الروماني أغسطس في بناء مدينة جديدة شرق الإسكندرية مباشرة و التي عرفت فيما بعد بـ" نيكوبوليس" Nicopolis و التي أصبحت - بأتساع المدينة- جزء من الإسكندرية والمعروفة الآن بمنطقة "الرمل"!

ثم تم فيما بعد بناء مكتبة كبيرة بها "كازيروم"Caesarium، حاول الرومان بها جذب العلماء و المفكرين.. وقد ظلت الإسكندرية أكبر مدينة فى الإمبراطورية الرومانية الواسعة بعد روما العاصمة.. كذلك تم تجديد وإعادة حفر القناة القديمة التي كانت تربط نهر النيل والبحر الأحمر لخدمة التجارة.. وكذلك فقد أعطى الرومان لليهود فى الإسكندرية-و الذين كانوا يمثلون جزءا أساسيا من التركيبة السكانية للمدينة- حريات كثيرة و سمح لهم بإدارة شئونهم الخاصة..

غير أن كل ذلك لم يوقف حركات التمرد و التوتر فى المدينة و التي وصف أحد الكتاب القدماء أهلها بأنهم "الأكثر رغبة فى الثورة و القتال من أي قوم آخر"! فمن تمرد اليهود فى عام 116 م ..و التوتر المتواصل بين اليهود واليونان على مسائل قديمة..فضلاً عن احتجاج السكندريون بصفة عامة على الحكم الروماني، و الذي أدى في عام 215 م و على إثر زيارة الإمبراطور الروماني إلى الإسكندرية إلى قتل ما يزيد عن عشرين ألف سكندري بسبب قصيدة هجاء قيلت في الرجل!

غير أن من أهم أسباب الاضطراب هو أن العالم قد شهد أحد أهم الأحداث فى التاريخ وهو ميلاد الديانة الجديدة..المسيحية..و التي تزامنت مع بداية الحكم الروماني فى مصر..و حيث أن الديانة الجديدة بدأت تجذب الكثير من المصريين نظراً لما تدعو إليه من خير للبشرية جمعاء ،

فقد بدأ عصر جديد من الاضطهاد فقتل القديس مرقص فى الإسكندرية عام 62 م وهو الذي أدخل الديانة الجديدة إلى مصر و كلما زاد عدد المؤمنين زاد الاضطهاد..حيث كانت روما تريد فرض عبادة الإمبراطور و كذلك العبادات الوثنية على المصريين!

و من الصعب أن نقدر على وجه التحقيق أعداد أولئك الذين استشهدوا من جراء موقفهم المناوئ للرومان في سبيل دينهم و لا شك أن أعدادهم كانت بالآلاف (يقول بعض المؤرخين أن عدد الشهداء وصل إلى 144000 شهيد خلال تسعة أعوام) حتى أن الكنيسة القبطية أطلقت على هذا العصر "عصر الشهداء" و اتخذتها بداية للتقويم القبطي المعروف بتقويم الشهداء تخليداً لذكراهم وجهادهم في سبيل إيمانهم و يبدأ التقويم في سنة 284 م..

و بسبب هذا الاضطهاد الديني المريع و الظلم البين لجأ البعض إلى الفرار بدينهم إلى الصحراء بقصد التعبد والتنسك ومن هنا قام نظام الرهبنة الذي هو في الأصل مصري صميم تعلمه العالم من مصر.




الإسكندرية تشهد صراعات جديدة

و رغم أن الدنيا قد تغيرت و بدلت الدنيا ثوبها القديم و تحولت ديانة الإمبراطورية الرومانية من الوثنية إلى الديانة المسيحية على يد الإمبراطور قنسطنطين الكبير (306-337 م) حينما أصدر مرسوم ميلان سنة 313 الذي أعترف فيه بالمسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية و الذي أضاف للإسكندرية أهمية جديدة و فريدة حيث أصبحت الإسكندرية مركز لعلم اللاهوت المسيحي و أصبحت كنيستها تمتلك قوة دينية و روحانية عالية..

إلا أنه رغم ذلك لم تتحسن الأحوال في الإسكندرية حيث ظهرت بدعة آريوس المتفلسفة وقد انتقلت هذه المشكلة من الإسكندرية إلى غيرها من أقاليم الإمبراطورية ، فأراد الإمبراطور قنسطنطين الكبير وضع حد لهذا الموضوع في مرحلته المبكرة فدعا إلى عقد مجمع ديني في مدينة نيقية سنة 325 م لإرساء قواعد الإيمان والتي انتهت بتبني آراء اثناسيوس غير أن النزاع لم ينتهي فبعد موت الإمبراطور خلفه ابنه الذي كان يتبنى الرأي المخالف (رأى آريوس) فأمر بالقبض على الأول في الإسكندرية ثم تبع ذلك بإجراءات عنيفة لإرغام الناس على اتباع فكر آريوس بتعذيبهم أو قتلهم أو نفيهم!

ورغم ذلك فقد اكتسبت المسيحية قوة كبيرة رغم كل تلك النزاعات و ذلك في مواجهة ديانة باقي المصريين من الوثنيين وخاصة في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير (378-395 م) الذي أصدر مرسوماً ببطلان العبادات الوثنية و منع تقديم القرابين و إحراق البخور و ممارسة الكهانة و معرفة الغيب و...الخ .

ولكن الأساقفة في مصر ذهبوا إلى أبعد من ذلك فقد عقد بطريرك الإسكندرية ثيوفيلوس (385-412 م) عزمه على تنفيذ المرسوم الإمبراطوري بدقة وحزم و قد عاونه اتباعه وقوات الإمبراطور..فتم تدمير -في الإسكندرية- معبد ديونيسوس و شن هجوماً على معبد الاكربول الشهير فر على إثره الوثنيون بزعامة الفيلسوف أوليمبيوس كذلك تم تحويل بعض المعابد الوثنية إلى كنائس مثل معبد سرابيوم المقام للإله سيرابيس وذلك فى عام 391 م حيث شيدت على أطلاله كنيستان..ذلك المعبد الذي قيل أن مكتبة الإسكندرية الشهيرة كانت ملحقة به ،

مما جعل بعض المؤرخين يقولون إن حرق المكتبة تم على يد بطريرك الإسكندرية فى ذلك الوقت

(قال بهذا المؤرخ الشهير إدوارد جيبون في كتابه الشهير Rise & Fall of the Roman Empire)

ولكننا لا نستطيع إثبات ما إذا كانت مكتبة الإسكندرية أصلاً قد ظلت قائمة عندما تم تدمير المعبد أم لا لأنه على قول مؤرخين آخرين فان المكتبة قد تم تدميرها على يد المسلمين.

فضلاً عن أن عمرها المفترض أن يكون قد تجاوز الستمائة سنة فهل كانت مازالت قائمة عند تدمير المعبد؟ وتبقى الحقيقة مجهولة. و أيا كان فعلى الرغم من المرسوم الخاص ببطلان العبادات الوثنية و ما صاحبة من أعمال هدم لرموز الوثنية إلا أن الوثنية لم تلفظ أنفاسها و إن كان أنصارها قد استمروا في ممارسة عباداتهم في سرية تامة.

http://img98.imageshack.us/img98/520/85oe3.jpg

و فى مارس سنة 415 م تم القبض على هيباتيا التي لم تكن معروفة في الإسكندرية فحسب بل كانت لها شهرة واسعة في الشرق كله حيث درست الرياضيات والفلسفة و قد اتهمها الرهبان الثائرون بالسحر و الوثنية و تم قتلها و بنهاية القرن الخامس الميلادي تم القضاء على الوثنية تماماً حيث كانت جزيرة فيلة في أقاصي الجنوب هي آخر معقل لهم حيث أرسل الإمبراطور قوة من الجيش و تم تحطيم معبدهم الخاص بإيزيس..



دخول الفرس

كانت الإمبراطورية الرومانية قد انقسمت إلى إمبراطوريتين شرقية(و عاصمتها بيزنطة) و غربية (و عاصمتها روما)..و كانت الإمبراطورية البيزنطية قد وصلت إلى حالة بالغة من الضعف في القرن السابع الميلادي فشجع ذلك الإمبراطورية الفارسية في الشرق على الهجوم على ممالكها و احتلال الشام ومصر..


و دخل الفرس الإسكندرية و نهبوا المدينة و قتلوا الكثير من أهلها و فى أماكن أخرى من مصر أحدث الفرس مذابح مشابهة..و كان الإسلام في الجزيرة العربية ما يزال وليداً عندما وقعت تلك الأحداث التي ذكرت في القرآن في أول سورة الروم حيث حزن المسلمون بهزيمة الروم لأنهم أهل كتاب مثل المسلمين في حين أن الفرس يدينون بالمجوسية ولكن الله بشرهم أن النصر سيحالف الروم من جديد في بضع سنين وعندها سيفرح المؤمنون و صدق الله وعده فلم يدم الحكم الفارسي إلا بضع سنين حيث استطاع الإمبراطور هرقل استرداد ممالكه و رجعت الإسكندرية من جديد تابعة للإمبراطورية البيزنطية الرومانية..


و قد أراد هرقل تعيين بطريرك قوى في الإسكندرية يسند له الرئاسة السياسية بجانب سلطته الدينية ليكون قادر على قهر الأقباط فعين بطريرك رومانيا يدعى "قيرس" والمعروف عند مؤرخي العرب باسم "المقوقس"..




قيرس أو المقوقس

كان النزاع المذهبي على ما يعرف بالمونوثيليتية ما يزال على أشده في مصر وخاصة في الإسكندرية-عاصمة مصر في ذلك الوقت.. و قد أراد الإمبراطور هرقل تعيين بطريرك قوى يسند له الرئاسة السياسية بجانب سلطته الدينية ليكون قادر على قهر الأقباط وإرغامهم على اتباع المذهب المونوثيليتية فعين قيرس - وكان رومانياً- لهذا المنصب..


و لم يكد هرقل يصل إلى الإسكندرية فى خريف سنة 631 م حتى هرب البطريرك بنيامين و لكن قبل رحيله عقد مجمعاً بالإسكندرية شهده القسس و الرعية و ألقى فيه خطاباً يحضهم فيه "على أن يثبتوا على عقيدتهم حتى يوافيهم الموت" ثم كتب إلي أساقفته جميعاً يأمرهم بالهجرة إلى الجبال و الصحارى أنبأهم أن البلاد سيحل بها الوبال و أنهم سيلقون الظلم لعشر سنوات ثم يرفع عنهم بعد ذلك ثم تسلل بنيامين في كنف الليل إلي صعيد مصر على جانب الصحراء(عند مدينة قوص) حيث مكث بدير صغير هناك..


و بعد أن فشل قيرس (المعروف عند مؤرخي العرب بالمقوقس) في تغيير مذهب المصريين ، أخذ في اضطهادهم إلا أن كل ذلك لم ينل من إيمانهم.. حتى أن شقيق البطريرك السابق بنيامين تعرض لتعذيب بشع حيث سلطت النار على جسمه فأخذ يحترق و سال الدهن من جسمه ثم رموا به في البحر غير أنه مات و لم يتزعزع إيمانه!


و يقول المؤرخ ميخائيل السربانى: "لم يصغ الإمبراطور إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت ولهذا فقد انتقم الرب منه.. لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا و أديرتنا بقسوة بالغة واتهمونا دون شفقة ولهذا جاء إلينا من الجنوب أبناء إسماعيل0 لينقذونا من أيدي الرومان وتركنا العرب نمارس عقيدتنا بحرية وعشنا فى سلام"




الإسكندرية بعد ظهور الإسلام

بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خرج العرب المسلمون من شبه الجزيرة العربية لنشر الإسلام في أنحاء العالم المعروف، وضربوا أروع الأمثلة في الفضائل و القدوة الحسنة.. و قد رحب المصريون بالمسلمين الذين خلصوهم من ظلم الرومان طيلة عقود طويلة من القهر و الظلم ..


وبعد أن عجز البيزنطيون عن مقاومة الجيش الإسلامي تم عقد معاهدة في 641 م اشتهرت بـ"صلح الإسكندرية" تنتهي بعد حوالي سنة يتم خلالها جلاء الحامية البيزنطية عن الإسكندرية و ألا يعود البيزنطيون للإسكندرية.. و دخل القائد عمرو بن العاص الإسكندرية في 642 و كتب إلى الخليفة عمر بن الخطاب يصف له المدينة التي كان بها وقت دخوله إليها " 4000 قصر و4000 حمام عام و 12000 مزارع و 40000 يهودي و400 مسرح" و لكن بعد مدة قصيرة من السيطرة على المدينة قام البيزنطيين بهجوم مضاد ليستعيدوا المدينة من جديد إلا أن عمرو بن العاص استطاع هزيمتهم و دخل الإسكندرية مرة أخرى في صيف سنة 646 و رحب الأقباط في الإسكندرية بقيادة البطريرك بنيامين بالمسلمين ترحيباً بالغاً و بذلك فقدت الدولة البيزنطية أغنى ولاياتها إلى الأبد.


و قد تم تحويل العاصمة من الإسكندرية إلى الفسطاط حيث لم يرد الخليفة عمر بن الخطاب أن يفصله عن والى مصر بحر..هذا مما أفقد الإسكندرية الكثير من أهميتها و رغم أن ذلك لم يفقد العرب افتتانهم بالمدينة و ذلك يتضح من خلال كتاباتهم العديدة عن وصف الإسكندرية و منارتها و آثارها القديمة..


و بالطبع فقد استمرت حركة التجارة التى كانت الإسكندرية تلعب فيها دورا مهما و كذلك تم بناء سور جديد للمدينة..و قد وفد على الإسكندرية الكثير من العلماء من أمثال الإمام الشاطبى و الحافظ السِّلَفي و ابن خلدون وغيرهم الذين أثروا الحركة العلمية للمدينة.. و من المعالم التي تركتها المرحلة الأولى للفتح ضريح و جامع أبى الدرداء-ذلك الصحابي الجليل- في منطقة العطارين والذي شارك فى فتح مصر..


و قد تعرضت المدينة لعدة زلازل قوية (عام 956 ثم 1303 ثم 1323) أدت إلى تحطم منارتها الشهيرة (إحدى عجائب الدنيا السبع) حتى أن ابن بطوطة – الرحالة المعروف- عندما زار الإسكندرية فى عام 1349 لم يستطع السير عند موقع المنارة من كثرة الحطام!


كما تعرضت الإسكندرية لهجمات صليبية كان أخرها فى أكتوبر [[1365]] م عانت فيها من أعمال قتل دون تمييز بين مسلم ومسيحي ونهب وضربت المساجد.. إلا أنه و فى عام 1480 قام السلطان المملوكي قايتباي ببناء حصن للمدينة لحمايتها في نفس موقع المنارة و المعروفة الآن بـ"قلعة قايتباي"حيث حظيت الإسكندرية فى عهده بعناية كبيرة..و قد هيأت دولة المماليك وسائل الراحة لإقامة التجار الأوروبيين فى مينائي الإسكندرية و دمياط فبنيت الفنادق و وضعتها تحت تصرف التجار،


حتى يعيش التجار الأوروبيين وفق النمط الذى اعتادوه فى بلادهم و كانت الفنادق مبان كبيرة مكونة من عدة طوابق وبها فناء داخلي يجرى به عمليات فك البضائع وربطها .. و بعد بناء القاهرة في سنة 969 م ثم اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح في عام 1498 م و كذلك بعد جفاف فرع النيل و القناة التي كانت تمد الإسكندرية بالمياه العذبة، فقدت الإسكندرية الكثير من أهميتها..


إلا أنها كانت ما تزال الميناء الرسمي المصري و التي كان يرسو عندها أغلب الزائرين الأوروبيين فى العصر المملوكي و العثماني..و فى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي حينما سيطر المماليك على مصر في ظل الحكم العثماني، ظهر الفساد و زادت الضرائب على المصريين و كانت أوروبا قد بدأت تشهد تغيرات سياسية هامة بعد قيام الثورة الفرنسية و صعود نابليون بونابرت كزعيم سياسي..


و جاءت الحملة الفرنسية على مصر و دخل جنود الحملة الفرنسية الإسكندرية فى الأول من يوليو عام1798 بدون مقاومة تذكر..و رغم أن أفراد الحملة لم يكن لديهم لا الوقت و لا الرغبة فى إعادة الحياة إلى الإسكندرية إلا أن تلك الحملة كانت بمثابة إنذار بـ"اليقظة" إلى كل المصريين! و سرعان ما التحمت القوات البريطانية مع الفرنسية في الإسكندرية فى عام 1801 م فى معركة أدت لخروج القوات الفرنسية من مصر..لتدخل الإسكندرية ومصر بصفة عامة مرحلة جديدة مليئة بالنهضة فى جميع المجالات..

هيثــــــم
12-14-2009, 12:14 PM
تقع مدينة الإسكندرية العصرية على شاطئ مصر الشمالي إلى الغرب من نهر النيل، حيث تلتقي الصحراء بالأبيض المتوسط. وتكمن رومانسية هذه المدينة في الماضي وليس في الحاضر.. فقد تردد في شوارع هذه المدينة على مدار ألفي عام صدى أصوات عدد من أهم شخصيات التاريخ القديم.

وقعت هنا أحداث إحدى أهم قصص الحب في العالم، في العلاقة بين مارك أنطوني وكليوپاترا.

انكشف اليوم ولأول مرة النقاب عن جوانب خفية من ملامح هذه المدينة الغامضة، وألقي الضوء على بعض مزاياها الحقيقية.

نشأت الإسكندرية على تقاطع طرق بين الحضارات العظمى في العالم القديم. وقد اعتبرت مدينة عصرية تشيد بعبقرية أحد مؤسسيها وهو الإسكندر المقدوني.

عندما كانت الإسكندرية من أهم مدن العالم القديم عرِفت بمبانيها الرخامية البراقة وجاداتها المرصوفة وقصورها المهيبة. فشكلت تحفة فنية في الهواء الطلق، لا تقل شأنا عن روما أو أثينا.

وطوال ثلاثمائة عام فصلت بين موت الإسكندر ونشوء الهيمنة الرومانية، إحتلت الإسكندرية موقعاً قيادياً في البحر الأبيض المتوسط، ليس بقوتها العسكرية بل بمكانتها الاقتصادية ورفعتها الثقافية البارزة.

شكلت المنارة الفرعونية التي شيدت عند مدخل الميناء رمزاً لكون المدينة منارة للثقافة والعلوم العصرية في ذلك الوقت. لم يعرف التاريخ مثيلا لمكتبتها العظمى ومجمع المتاحف الفريد هناك. ولكن من المؤسف ألا يبقى أي من هذه المباني حتى يومنا هذا !!

يقال أن أجزاء من هذه المدينة قد دمرت على مراحل عبر زلازل ضربتها على التوالي في القرن الرابع والثاني عشر والرابع عشر حين غمرتها مياه البحر. وأحياناً ما يرى الصيادين ملامح تماثيل من الركام الواقع تحت سطح البحر، فيدعون أنها من عرائس البحر ! ومع نمو المدينة العصرية وتوسعها أخذت أنابيب الصرف الصحي تصب في الميناء لتغيب تلك المشاهد ! مما جعل ملامح عرائس البحر أقل ظهورا للصيادين..!

ولكن ما يجري الآن هنا هو مجرد بداية لمأثرة من الاكتشافات. فقد عثر فريق علماء الآثار على مسافة عشرين قدم من الشاطئ على جزء كبير من الحي الملكي القديم وقصر كليوپاترا.

قول العالم "غوديو": "أحببت البحر والتاريخ منذ نعومة أظافري، وكثيراً ما حلمت بالمزج بين الآثار والبحر. لقد تمكنت من ذلك عام 1993 حين شكلت مؤسسة حولت ما كان حلماً في الماضي إلى احتراف مهني..

فمنذ بداية عام 1996 تمكن الأثري البحري الفرنسي "فراك غوديو" من الحصول على دعم من المؤسسات المتعددة، والتعاون مع المجلس الأعلى للأثريات للعمل على رسم خريطة دقيقة للمدينة القديمة، هي الأول من نوعها للمناطق الغارقة في الميناء.

ويقول: "كيف كان البحر بالمقارنة مع المباني العالية المجاورة؟ وأين كان معبد "بوسيدون"؟ وأين شيد مارك أنطوني القصر الذي سكنه؟ وفي أي منطقة عاشت كليوپاترا في تلك الفترة؟"

يمتد ميناء الإسكندرية على مساحة 1500 إكر من الأراضي البكر بالنسبة لعلماء الآثار، وقد عثروا فيها على كنز من المعلومات يعود إلى ما قبل ألفي عام. وتشكل الأعمال الأثرية تحت البحر تحديات أكبر من الحفريات الجارية على الأرض المصرية. يشرف إبراهيم درويش على الدائرة المصرية للبحث عن الآثار تحت الماء، وقد قام بأكثر من 100 عملية غطس في الميناء الشرقي.

ويقول درويش: "أنا أول أثري في مصر يعمل في هذا المجال، لهذا إنتخِبت لأكون مسؤولا عن هذه الدائرة. وقد عملت بمفردي في البداية طوال خمسة أعوام، أما الآن فلدي ستة عشر أثري يعملون معي، إلى جانب فريقي أبحاث فرنسيين يعملان بالقرب من خليج قيت وداخل الميناء الشرقي."

في بداية الأبحاث عثر الغطاسين على حجارة مغطاة بكثير من الترسبات والأعشاب البحرية بدت للوهلة الأولى أنها مجرد صخور. وبعد تنظيف الأبرز منها تبين للفريق أنه عثر على مجموعة من النصب والمسلات المنقوشة. وبعد أكثر من 3500 عملية غطس عثروا على آلاف القطع الأثرية كالتماثيل والمنحوتات الأسطورية والمنقوشات.

ويكمل أشرف: "دهشت جداً لاكتشاف أول تمثال ملكي، فعند تنظيف الترسبات لا يعرف المرء ما سيعثر عليه، قد لا يتوقع العثور على شيء هام، قد تجد حجراً صغيراً فقط. وبدأت بإزالة الترسبات عن هذا التمثال، وهو جيد جداً؛ أعني بحالة حفظ جيدة. كانت ردة فعلي الأولى أني أزلت الهواء من فمي وبدأت أصرخ تحت الماء!"

من المدهش جداً والمثير للمشاعر أن يعثر المرء على قطعة أثرية يزيد عمرها عن ألفي عام ليكون أول شخص يلمسها ويتعامل معها...

نشِرت على ممر القرون أكثر من ثلاثين خريطة تستعرض ما كانت عليه المدينة في العصور القديمة. ولكن الجغرافي اليوناني "سترابو" الذي زار الإسكندرية عام خمسة وعشرين قبل الميلاد، ترك وصف تفصيلي ودقيق للمدينة في كتابه له حمل عنوان "چيوجرافيكا".

ويقول غوديو: "حصلت إكتشافات مدهشة منذ أن بدأنا العمل في ميناء الإسكندرية، ولكن الأشد دهشة هو أن الأراضي الغارقة التي وصفها "سترابو" كانت هناك ! "

"وجدنا جزيرة وشبه جزيرة وخنادق كما وجدنا ميناء داخل رأس "لوكياس". كلها كانت هناك، لهذا أدهشنا التأكد من أن الكتب القديمة كانت دقيقة الوصف إلى هذا الحد.."

في المنطقة الممتدة على طول الشاطئ والمعروفة بالحي الملكي وصف "سترابو" مجموعة من القصور الرائعة، التي كانت مقراً لملوك سلالة البطالمة الفرعونية، وآخرها الملكة الشهيرة كليوپاترا، التي أحبت يوليوس القيصر ومن بعده مارك أنطوني.

ويقول د. فخراني: "لدينا في المتحف تماثيل لكليوپاترا، ولكن في هذه الحالة يعتبر إكتشاف شيء من ملكية وأمجاد وقمة الإسكندرية أمراً بالغ الأهمية."

تجول زوارق الصيد في ميناء الإسكندرية تماماً كما كانت تفعل قبل ألفي عام من الآن..

وتبدأ القصة الرومانية لهذه المدينة عام 332 قبل الميلاد، عندما تمكن القائد التاريخي الشهير الإسكندر المقدوني من التغلب على الفرس الذين حكموا مصر في ذلك العصر. وأثناء ترحلها عبر شواطئ المتوسط رأى قرية صيد صغيرة تحمي زوارقها الرأسية جزيرة صغيرة. كما وجد إلى جانبها بحيرة ماء عذبة. سرعان ما تنبه الملك الشاب إلى أهمية هذا الموقع، فأمر ببناء مدينة جديدة هناك تحمل اسم الإسكندرية.

وقد أورد "سترابو" تفاصيل خريطة الإسكندر في كتابه فقال: "شيدت المدينة بخطة عادية، تتقاطع شوارعها بزوايا قائمة، يتجه الشارع الرئيسي العريض غربا من بوابة "كانوپيك".

سرعان ما غادر الإسكندر مصر لغزو البلدان المجاورة، ولم يبق لرؤية أي مبنى من المدينة التي أمر برفعها. وبعد موت الإسكندر تقاسم چنرالاته الإمبراطورية وغنائمها فيما بينهم.

فإستولى على مصر صديقاً للإسكندر هو الچنرال "بطلم" الذي أعلن نفسه ملكاً وإتخذ الإسكندرية عاصمة له. سرعان ما انطلق بطلم الأول في مشروع بناء واسع النطاق، عرف منها مباني مكتبة ومتحف الإسكندرية الشهيرين. وإستمر بطلم بتحقيق النجاحات العمرانية، مضيفاً إلى أمجاده وأمجاد المدينة بناء هائل عرف بمبنى المنارة.

ويكمل سترابو قائلاً: "عند طرف الجزيرة تقع صخرة رفِعت فوقها صروح برج رائع الجمال شيد من الرخام الأبيض متعدد الطبقات."

كان لابد من إشارة تدل البحارة على الميناء لأن الشواطئ المحيطة بالمدينة كنت منخفضة. فشيّد بطلم الثاني سنة 297 قبل الميلاد برجاً هائلاً للمنارة على الجانب الشرقي من الجزيرة. وكانت المنارة مبنى ضخماً إعتبِر الأعلى في العالم حتى بناء برج إيفل بعد ألف وخمسمائة عام من ذلك. بلغت المنارة من الضخامة أن إعتبِرت جزءاً من عجائب الدنيا السبع في العصور القديمة.

وتفاصيل المبنى الأساسية واضحة، إذ شيد البرج بأقسام ثلاث، فكان المبنى السفلي مربعاً أُحيط بالنوافذ على جوانبه وفيه حوالي 300 غرفة. وتؤدي السلالم شبه المحورية إلى طبقة ثانية ثمانية الأضلاع، أما الجزء الدائري الثالث فيؤدي إلى غرفة الإنارة، التي توجت بتمثال لـ"بيسيدون".

كانت شعلة المنارة تشاهد من على مسافة ثلاثة أميال في البحر. فقد كتب المؤرخون المعاصرون لتلك الحقبة أن المنارة كانت تضاء بحريق هائل يتغذى بمصعد هيدروليكي يحمل الوقود إلى أعلى المنارة. وكان هذا يعتبر إنجازاً رائعاً في تلك الفترة..

وتروى حكايات أخرى عن توصل العلماء إلى ما يشبه المرايا وآلية العدسات التي تعكس نور الشعلة عبر البحر. لا أحد يعرف بدقة ما الذي كان يعكس الضوء؛ لأن سر هذه الآلية قد ضاع مع سقوط الطبقات العليا في البحر عام 1307م.

تحل اليوم محل تلك المنارة قلعة شيدت بعد انهيارها؛ وهي تعرف بقلعة "خليج قايت" أو "قايتباي". وقد بنِيت هذه القلعة في القرن الخامس عشر، مستعينة بأساس حطام المنارة المحطمة.. ويمكن رؤية أجزاء من الرخام الأحمر الخاص بالمنارة القديمة بين حجارة الجدران الكلسية الحديثة وأرضيتها.

ولكن أبحاث معاصرة تؤكد أن بقايا المنارة الحقيقية تحت الماء بعيداً عن الشاطئ. وبما أن التآكل يشكل خطر جدي على القلعة، رفعت كواسر من الصخور الإسمنتية لحمايتها، يدعي البعض أيضا أنها أُلقِيت فوق بقايا المنارة!!

اليوم يعمل مجلس الآثار المصري على إطلاق حملة واسعة النطاق لحماية آثار الماضي، إلى جانب المحافظة على الحاضر.

ويقول درويش: "جرى المسح هذا العام في منطقتين: إحداهما بالقرب من "خليج قايت"، لتحديد الأثريات التي تقع بين الصخور الإسمنتية التي وضعت عام 1993، فوق الأثريات، وقد أوقف المجلس الأعلى هذه الأعمال كلياً، لهذا سنعمل اليوم على رفع الصخور الأثرية للبحث عن تلك الأثريات...

تم إخراج أكثر من 35 قطعة أثرية من تحت الماء، كان من بينها قطع رخامية هائلة تحتوي على نقوش هيروغليفية، وتماثيل أسطورية، وصخرة رخامية بلغ وزنها طن ونصف الطن لمنحوتة امرأة بلا رأس. يعتقد أن هذا التمثال يعود لزوجة بطلم الثاني، الذي شيد صروح المنارة الهائلة، والتي ربما شكلت قطعة أخرى من أحجية تاريخ الإسكندرية المجيد.

ويكمل درويش: "تعاونا في المسح مع فريق فرنسي، وقد أحصينا هذه الأثريات وعثرنا على 723 قطعة. وهكذا سنعمل على وضعها في الداخل بعد إعادة بناء كاسِر الأمواج لحماية القلعة.

كيف كانت تبدو الإسكندرية القديمة فعلاً؟



تعتمد الآثار في أعمالها الجارية في اليابسة أو تحت الماء على عملية معقدة لتنفيذ الحفريات. وهي عادة ما تزيل الأثريات وتدرسها وتحفظها في مختبرات أو متاحف. أما الآن فلا تعتبر هذه هي العملية الجارية في الميناء الشرقي للإسكندرية.

وديو: "عمل أولاً على رسم خريطة لما يمكن أن تكون عليه المباني في الجزيرة أو على الشاطئ، ولكنا الآن لا نلمس ما يتم العثور عليه، بل نتركه في مكان يستحق الغوص لتصويره ومقارنته مع غيره في المكان الذي هو فيه حيثما سقط."

وقد سقطت أعمدة كبيرة وقطع هائلة من الرخام على طول الشاطئ. يتم تسجيل كل من هذه القطع في موقعه للمساهمة في إعادة تصور المباني وما كانت عليه في القدم.

ويضيف "غوديو": "بعد إكتمال المعلومات حسب تحديد وجهة الأعمدة، والصخور الرخامية ربما نتمكن من معرفة ما جرى خلال الزلزال وأماكن حصول المنزلقات. يمكن أن ترى ذلك على الخريطة بالطبع ولكنه أجمل بكثير على أرض الواقع تحت الماء حيث تتحدث عن نفسها بشكل أفضل."

يأمل علماء الآثار عبر آلاف المعلومات المجزأة هذه، ومن خلال المقاييس الأثرية والطبوغرافية، إلى جانب بعض التوقعات، يأملوا بأن يتمكنوا من إعادة بناء الحي الملكي.

يكمن أحد الأهداف في العمل على إعادة تشييد بناء ثلاثي الأبعاد يكشف عن ملامح ما كانت عليه المدينة في عصر كليوباترا.

وتلعب الألوان دورا هاما في تلك القصور والمعابد القديمة، طاقة ورموز وعظمة المدينة تشكل شهادة جريئة.

وتؤكد المؤلفات المكتوبة بأن شقة كليوباترا الخاصة كانت تزدحم بالروائع والأعمال الفنية الراقية، والكراسي الفاخرة وصناديق نفائس مرصعة بالعاج والذهب. كما أن الأرض الرخامية البراقة كانت تغطى بسجاد رائع التصميم. كما تُزَيَّن الممرات بأبواب من خشب الأبنوس ومسكات أبواب صنعت من العاج والنفائس الأخرى.

ومن الجدير بالذكر أن أعمال الحفر الجارية في ميناء الإسكندرية تترك أثراً عميقاً في جميع المصريين، يتعزز ذلك باستخدام الكمبيوتر لتصوير قصر كيلوباترا، أو بالعمل على ترميم آثارها الضائعة.

ويقول درويش: "أرى أشياء ما كنا نراها قبل بضعة سنوات، ولكني أرى أشياء لا يمكن لأحد أن يصنع مثله من جديد. أشعر اليوم كمصري من أبناء الإسكندرية، وكأني أتحدث من جديد مع أجدادي. يسرني جداً اللقاء بهم ثانية، وبما تركوه وراءهم."

يشكل وضع خريطة جديدة للميناء مجرد بداية لمشروع هائل. يعتبر علماء الآثار أن أعمال الحفر والتنقيب وتصنيف المناطق سيستغرق عشر سنوات أو أكثر. وهناك جدال يتم اليوم حول أفضل السبل لحماية الأثريات التي تم العثور عليها في الميناء.

غوديو: "يعود الأمر للسلطات المصرية كي تحدد بعد إنتهاء التنقيب، ما هي الآثار التي سَتُنْقَل إلى المتاحف؟ وما إذا كان كل شيء سيبقى تحت الماء؟! وما إذا كانت سَتُقيم حديقة أثرية يطلع الجمهور من خلالها على الأثريات. سيتقرر ذلك من خلال السلطات المصرية في الوقت المناسب.

وقد طرحت مع هذه الاكتشافات مجموعة من الأسئلة، منها: كيفية تمكين الناس من رؤية مدينة كيليوباترا الملكية، دون تدميرها.

درويش: "سنقرر ما إذا كنا سنعد متحفاً تحت الماء يكون الأول في العالم، يأتي السياح إليه للغطس ومشاهدة الآثار تحت الماء. هذا ما أود رؤيته، ولكن إعداد المتحف يحتاج إلى جهود كبيرة."

هناك مدن تقيم حدائق تحت الماء لمساعدة السياح على رؤية المخلوقات البحرية في بيئتها الطبيعية. يفكر المجلس المصري الأعلى للآثار باستخدام غواصات كهذه تمكن السياح من رؤية روائع الإسكندرية القديمة، إلى جانب المخلوقات البحرية. وهناك مشروع لإقامة منطقة مراقبة تحت الماء، إلى جانب متحف أثري.

ويضيف "فتاح": "يجب أن نخرج أفضل الأثريات، ونبقي القطع الكبرى في مكانها. وقد نقيم متحفا تحت الماء، يصنع من الزجاج، يستطيع الزائر فيه التمتع بالغداء في مطعم أو مقهى أو ما شابه ذلك، وهو محاط بالآثار والأسماك في قاع البحر. هذه طريقة للتمتع بالحياة وبالثقافة وبالآثار."

يؤيد علماء الآثار البحرية والعلماء المحليين فكرة إقامة حديقة أثرية تحت الماء. قريباً سيتم إغلاق آخر أنابيب الصرف الصحي، لهذا تتوقع السلطات أن تتحسن الرؤية في مياه الميناء، مما يحث الزوار على المجيء إلى الإسكندرية لرؤية قصر كيليوبترا الضائع وغيره.

درويش: "ربما نتمكن في العام المقبل من إقفال آخر أنبوب للصرف الصحي كما وعد المسؤولون هنا، لهذا نأمل أن تكون الرؤية في العام المقبل أفضل."

ويتوقع الدكتور فخراني مستقبل زاهر للميناء كمركز سياحي ممكن تحت الماء. ويقول: "أعتقد أن الإسكندرية ستصبح من أهم الأماكن الأثرية في العالم. والأهم من ذلك هو أنه إن حالفنا الحظ في التأكد من كل ما ورد، قد يكون هذا الموقع أكثر أهمية من الأقصر. لهذا آمل أن يتحقق هذا الحلم في القريب العاجل."

تقع الإسكندرية على تقاطع طرق بين الحضارات، وكانت مركزا تتجمع فيه المعارف العالمية. غيبت هذه المدينة القديمة لأكثر من ألفي عام خلف ستار من الغموض والأساطير، بعد إختفاء قصور هذه المدينة ومعابدها جميعاً على مر العصور! ولكن ميراثها حمل من قبل الإغريق والرومان إلى أوروبا في عصر النهضة، وإلى أيامنا هذه.

وقد كشفت أعمال التنقيب الجارية في الميناء الشرقي النقاب عن الإسكندرية القديمة، وأزالت الغموض عن ملامحها الباهتة. ومع استمرار العلماء في أبحاثهم، سَتُحَل ألغاز الإسكندرية ونصبها قصورها الضائعة في نهاية المطاف. قريباً ستشرق شمس هذه المدينة الأسطورية القديمة من جديد، كي تضيء العالم كإحدى أهم المدن التاريخية المدهشة في العالم.

هيثــــــم
12-14-2009, 12:18 PM
مقدمة

نتحدث عن دولة المرابطين السُّنيَّة منذ نشأتها وحتى سقوطها، فيُعطِى نبذة تاريخيّة عن أصول القبائل التى قامت عليها دولة المرابطين، فيتكلم عن مواطنها, ومواقعها, وحياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية قبل دخول الإمام عبد الله بن ياسين فى قلب الصحراء الكبرى لدعوة قبائل صنهاجة إلى الإسلام, وكيف تعامل ذلك الإمام مع تلك القبائل، وجعل منها أمَّةً تحمل الإسلام عقيدةً ودعوةً ومنهجًا، كما تسلط الأضواء على زعماء دولة المرابطين مِن أمثال الأمير يحيى بن إبراهيم، والأمير أبى بكر ابن عمر، ويوسف بن تاشفين, ويتكلم عن خط سَيْر المرابطين فى توحيد المغرب الأقصى، وتوغُّلِهم الدَّعَوِى فى جنوب المغرب نحو غانا ومالى وغيرها من دِوَل إفريقيا, ويتحدث عن دفاع المرابطين عن مسلمى الأَنْدَلُس .
ويتحدث عن علاقة دولة المرابطين بالخلافة العباسية، ودولة بنى حماد وملوك الطوائف والإسبان والنصارى، ويعطى نبذة مختصرة عن أنظمة الدولة المرابطية، كنظام الحكم والإدارة, والنظام القضائي, والنظام المالي, ويدافع عن دولة المرابطين ويبين مآثرها الحضارية من أعمال معمارية وحياة أدبيَّة علمية وفقهية وتاريخيّة وجغرافية.
وهذا الجهد المتواضع أ حاول أن أسلط الأضواء على فترة مشرقة من فترات التاريخ الأسلامى .

أولا: بناء دولة المرابطين

-- الجذور التاريخية للمرابطين

-- الأمير يحيى بن إبراهيم

-- أبو عمران الفاسي

-- الزَّعِيم الدينى عبد الله بن ياسين

-- التوسع لدولة المرابطين والقائد الربانى يوسف بن تاشفين

ثانيا : المرابطون ودفاعاتهم عن مسلمى الأَنْدَلُس

-- الصراع بين طُلَيْطِلَة وقُرْطُبَة

- الأَنْدَلُس بعد الزلاقة

-- العبور الثالث للأمير يوسف بن تاشفين

-- العبور الرابع

ثالثا : السياسة الدَّاخليَّة والخارِجيَّة فى دولة المرابطين

-- حقوق الرعية الذين يعيشون فى الدولة

-- موقف الرعية فى دولة المرابطين

-- موقف المرابطين من الخلافة العباسية

-- علاقة الأمير يوسف مع بنى حماد

-- علاقة المرابطين مع ملوك الطوائف

رابعا: سياسة المرابطين فى دولتهم المجيدة


-- نظام الحكم والإدارة

-- النظام القضائي

-- النظام المالي

خامسا: أهم أعمال دولة المرابطين الحضارية

-- الآثار المعمارية فى المغرب والأَنْدَلُس

-- علوم التَّارِيخ والجغرافيا

-- علوم الطب فى عصر المرابطين

-- أسباب السقوط

الجذور التاريخية للمرابطين


تمهيد

تعتبر قبائلُ صنهاجة أقوى قبائل البربر وأشدها وأمنعها, واشتهرت بقُوَّة شكيمتها, وكثرة رجالها الذين ملأوا الشَّمَال الإفريقى وسكنوا جباله، وسهوله وخصوصًا من المغرب الأوسط إلى المغرب الأقصى.
واعتبرَ بعضُ المؤرخين قبائل صنهاجة مثلت شعبًا انضوتْ تحت لوائه أكثر من سبعين قبيلة بربرية، ومِن أهم هذه القبائل وأشهرها لمتونة، وجدالة، ولمطة، ومسوفة، وهى التى تكوَّنت منها دولة المرابطين السُّنيَّة. وبعض المؤرخين يجعل القبائل الصنهاجية لها أصل من حمير بن سبأ أى: إن أصلَهم يمانيِّون.
والبعض الآخر يذهب إلى أنهم برابرة لا علاقة لهم بالعرب.

تسمية الملثمين

اشتهرتْ القبائل الصنهاجية فى التَّارِيخ باسم المُلَثَّمين، وأصبح اللثام شعارًا عُرفوا به إلى أن تسمَّوا بالمرابطين، ويرى بعض المؤرخين إن المُلَثَّمين ينتسبون إلى قبيلة لمتونة إحدى بطون صنهاجة, وكانت لمتونة تتولى رئاسة سائر قبائل مسوفة، ومسراته، ومداسة, وجدالة، ولمطة، وغيرها، ثم آلت الرئاسة إلى قبيلة جدالة على عهد الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي.
ويبدو أن إطلاق اسم المُلَثَّمين فى بدايته كان خاصًّا بقبيلة لمتونة ثم توسع وأصبح شعارًا لكل من حالف لمتونة ودخل تحت اسم سيادتها.

سبب تسميتهم

وأمَّا سبب تسميتهم فقد وردت أقوال كثيرة فى سبب تسميتهم بذلك، منها: إن أجدادهم مِن حِمْيَر كانوا يتلثمون لشدة الحرِّ، ويذهب إلى هذا الرأى مََن ظنَّ إن أصل قبائل صنهاجة يرجع إلى الهجرات القديمة من المشرق لأسباب متعددة، منهااقتصادية, وسياسية.
وقيل: إن طائفة منهم أغارت على عدو لهم فخالفهم إلى مواطنهم وهى خالية إلا مِن النساء والأطفال والشيوخ، فأمر الشيوخُ النساءَ بأن يرتدين لباسَ الحرب ويتلثَّمَنَ، ففر الأعداء وهكذا اتخذوا اللثام سنة يلازمونه وارتقى عندهم إلى مستوى رفيع فى حياتهم وأعرافهم .

موطن الملثمين

سكن المُلَثَّمون الصحراء الكبرى الممتدة من غدامس شرقًا إلى المحيط الأطلسى غربًا، ومِن جبال درن شمالاً إلى أواسط الصحراء الكبرى جنوبًا.
ولم تكن هذه الأماكن والمواطن تجرى بها أنهار دائمة, وكانت قليلة الأمطار وأحيانًا تُحبَسُ عنها الأمطار لسنوات عديدة؛ فيتعرض سكانها للمجاعة فيرتحلون لطلب الماء والكلأ، فتفرقوا حول الواحات الصغيرة فى تلك الصحارى الممتدة الأطراف، وكوَّنوا قرى بدائية تتماشى مع ظروف حياتهم الرعوية.

حياتُهم الاقتصادية

توزَّع المُلَثَّمون حول الواحات بحثًا عن المياه وعملوا فى الزراعة وخاصَّة زراعة الشعير الذى ينبت فى الأرض الفقيرة ويكفيه قليل من الماء، وقد ازدهرت زراعته فى منطقة أزكى التى تسكنها قبيلة لمتونة.
وكان النخيلُ مِن أهم أشجارهم، وكانت مدينة سجلماسة من أهم واحات الصحراء عمرانًا بشجر النخيل, واستفاد المُلَثَّمون من ظل أشجار النخيل؛ فزرعوا البطيخ والقرع والكوسى والقثاء، وشهدت بعض الواحات زراعة الذرة، وازدهرت فى واحة سجلماسة زراعة القطن وقصب السُّكَّر. وكانت وسيلة الزراعة فى تلك الواحات الصحراوية المحراث البدائى الذى تجرُّه الجمال.

وكانت تلك القبائل تهتم بتربية الحيوانات للحصول على قوتهم ولكى يستعملوها فى تنقلاتهم، ومن أهم الحيوانات التى اهتَمُّوا بها الإبل، والتى كانوا يشربون ألبانها ويأكلون لحومها ويستفيدون من أوبارها وجلودها لصناعة العباءات والألبسة والنعال وأسقف البيوت الصغيرة.
وازدهرت الصناعات المحلية للاكتفاء الذاتي، وتطوَّرت فى الكم والنوع الصناعات المنزلية, وكذلك الأدوات الحربية التى ازدهرت بسبب الحروب المستمرَّة بين المُلَثَّمين وجيرانهم الوثنيين من السودان وغانا, واهتَمُّوا بصناعة السروج ولجم الخيل، وازدهرت الصناعات الغذائية فاستخرجوا الزيت من ثمر الفرتى وذلك بعصر قشره، واستعملوه فى طهى الطعام وإنارة السُّرج ليلاً، وكانوا يمزجونه بالرمل ويطلون به أسطح المنازل فيخفف من شدة الحر، ويمنع تسرُّب الماء، واشتهرت مدينة تارودانت بصناعة قصب السكر، والمنسوجات والألبسة من الصوف والقطن والوبر, وكانوا يصنعون من ثمار القرع أوانى يضعون فيها الملح والبهارات.

ومِن أهم المعادن فى بلاد المُلَثَّمين؛ الملح ويكثر فى أوليل وتفاري، والأخيرة تضم معظم مناجمه وهى على شكل ألواح يُقطِّعُهَا العبيد وتحملُها الجمال إلى بلاد السودان وغانا، وكان الحمل الواحد يُباع فى أيوالاتن بعشرة مثاقيل مِن الذهب، أما فى مالى فكان يُباع بعشرين مثقالاً، وربما ارتفع إلى الثلاثين. كان للملح أهمية فى حياتهم الاقتصادية، إذ كانوا يقطعونه قطعًا صغيرة يقايضون به كالذهب والفضة، وكان الفائض من إنتاجهم الزراعى والصناعى يُصدَّر إلى خارج بلادهم .

أهمية موقع الملثمين

كانت بلاد المُلَثَّمين الممرَّ الوحيد بين الأَنْدَلُس وأواسط إفريقية؛ فكانت تسلكه القوافل على ثلاث طرق، فالطريق الأول وهو الطريق الساحلى على المحيط الأطلسى ينطلق من أغادير مارًا بنواكشوط حتى مصبِّ نهر السنغال, يقابله طريق داخلى غير بعيد عنه لجهة الشرق هو طريق تارودانت أويل، أما الطريق الثَّانِى وهو الأوسط فيمتد من أواسط المغرب إلى قلب الصحراء حيث بلدان مالى والنيجر,يبدأ هذا الطريق من سجلماسة ويمر بأزكى حتى أودغشت فى بلاد النيجر.
والطريق الثالث والأخير وهو طريق الصحراء يمتد من السودان الغربى إلى أواسط الصحراء شرقًا, ولا تخلو هذه الطُّرُق مِن صعوبات طبيعية، فتحرك الرمال يمحى معالمها وتتعرض القوافل المارة بها إلى مخاطر لا تُحمد عقباها، ولذلك احتاجت هذه القوافل للقُصّاص من المُلَثَّمين لكى يقودوا القوافل فى تلك الصحارى حتى تصل إلى بر أمانها مقابل مبالغ مالية على المجهود الرائع العظيم.
ونشطت حركة التجارة بين إفريقيا الغربية وبلاد المغرب والأَنْدَلُس بسبب الدور الريادى الذى قامت به قبائل لمتونة ومسوفة وجدالة التى كوَّنت حلقة الاتصال الناجحة والمثمرة للأطراف المشاركة, وكثُرت الأسواق التجارية التى تعرض فيها بضائع بلاد الأَنْدَلُس والمغرب الأقصى وبلاد السودان الغربى حيث يتم التبادل بالتقايض,أو بالذهب والفضة على حسب الاتفاق بين المتبايعين، ومن أشهر تلك الأسواق التى اشتهرت فى تاريخ البلاد: أوغشت، أغمات، أسيلا.

الحياة الاجتماعية فى بلاد الملـثمين

وأدى ازدهار التجارة فى بلاد المُلَثَّمين إلى ظهور طبقة من الأثرياء تجمعت لديهم أموال عظيمة بسبب نشاطهم التجاري، وعلى رأس هذه الطبقة الأمراء الذين استأثروا بالحكم وحافظوا على مصالحهم، وكانت هذه الطبقة مستعدة لمقاومة مَن يُهدِّدُ مصالحها,أو يحاول انتزاع مكانتها وثروتها وجاهها، مستخدمين من أجل تلكالأهداف الأساليب المشروعة والمُحرَّمة، ويساندهم فى ذلك الفقهاء المحليون الذين ارتبطت مصالحهم بهم وأصبحت أطماعهم والسعى لتحقيقها فوق أحكام الله.
واحتكرت هذه الطبقة الأراضى الزراعية فى الواحات، وكذلك مناجم الملح وقطعان الماشية، أى جميع مصادر الثروة, وكانت تبنى بيوتها بطريقة تدل على ترفعها عن سائر النَّاس, ومعلوم لدى الدارسين والباحثين فى تاريخ المُجْتَمَعات البشرية أنه عندما تظهر طبقة ذات ثراء مفرط ينتج عنه ظهور طبقة من الفقراء المدقعين فى فقرهم, وهذا ما حدث فى المُجْتَمَع المُلَثَّم، حيث نجدأن عامة النَّاس أصابهم الفقر واضطروا إلى الاشتغال برعى المواشى وبالعمل فى الأراضى الزراعية، ويؤدون الضرائب للأمراء والأعيان الذين استغلوهم استغلالاً مشينًا، وكانت طبقة الفقراء تتعرض للمجاعة فى سنوات الجفاف وكانت منازلهم من أغصان الأشجار ومُغطاة بالجلود كالأكواخ.

وظهرت فى المُجْتَمَع المُلَثَّم كثرة العبيد الذين استُخدموا وسُخروا للعمل فى مناجم الملح، وجلُّهم كانوا أسرى فى الحروب التى نشبت بين المُلَثَّمين والوثنيين، وارتفع شأن العبيد فيما بعد؛فكانوا فرقة خاصة فى جيش المرابطين، واشتهرت المرأة المُلَثَّمة بالجمال، وهى سمراء اللون, وبعض نساء الطبقة العليا كانت لهنَّ منزلة رفيعة فاقت منزلة الرجال فى بعض الأحيان.

واشتهرَ مِن ملوك المُلَثَّمين بحرصهم على نشر الإسلام وكسر شوكة من يعاديه الملك «تيولوثان بن تيكلان اللمتوني» الذى حارب القبائل الوثنية ونشر بينها الإسلام، وبعد وفاته سنة 222هـ خلفه حفيده الآثر الذى دام حكمه حتى وفاته عام 287هـ، فخلفه ابنه تميم الذى قتل عام 306هـ/ 920م على يد مشايخ صنهاجة.

وبعد ذلك افترقت كلمة المُلَثَّمين, وضاعت كثير من تعاليم الدين واستمرَّ شتاتهم مدة مائة وعشرين سنة الى أن قام بالأمر الأمير محمد بن تيفاوت اللمتوني الذى وحَّدَهم، وقد استشهد هذا الأمير بعد ثلاث سنوات من حُكمِه على يد الوثنيين، فقام بالأمر بعده صهره الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالى الذى قاد قَومه نحو دين الله بعد رجوعه مِن حِجِّه ورحلته المشهورة.


الأمير يحيى بن إبراهيم (الزعيم السياسي)



كان الأمير يحيى بن إبراهيم سيدًا مطاعًا فى قَومه لِما عُرفَ عنه مِن شجاعة وكرم وجود ومقدرة قيادية عالية, واشتهر برجاحة عقلة ونفاذ بصيرته وسداد رأيه وحرصه على هداية قَومه.
خرج هذا الأمير الجليل من ديار المُلَثَّمين قاصدًا بيت الله الحرام, لأداء فريضة الحج تاركًا الحكم لابنه إبراهيم عام 427هـ - 1035م.

وكانت العادة أن يقترنَ الحج بطلب العلم، وبعد أداء الفريضة، انطلق الأمير يحيى يبحث عن المعرفة فى مدارس المغرب الفقهية طالبًا للعلم لإرواء روحه الظمأى إلى نور المعرفة الإسلامية التى اندرست معالمها فى بلاده, ورمتْ به أقدارُ الله فى حَلَقَةِ إمام المغرب فى زمانه فى مدينة القيروان «الإمام أبو عمران الفاسي» الذى تعلَّقت نفسُ الأمير يحيى بتعاليمه وفقهه, وعرض نفسه على الإمام أبى عمران الفاسى الذى ورث زعامة المدرسة المالكية التى انتصرت على الهيمنة الإسماعيلية العبيدية الباطنية الرافضية، واستردَّت حريتها كاملة بعد جهادهم المرير الذى أصبح مَعْلَمًا من معالم أهل السنة فى الشَّمَال الإفريقي.
وأُعجِبَ الشيخ أبو عمران بالأمير يحيى لما لمسه فيه من حبه للخير وحرصه على التعلم، وتحدث إليه الأمير عن سوء الأحوال الاجتماعية فى بلاده، وجهل قبائلها بأصول الدين وفروع الشريعة، وطلب من أبى عمران أن يبعث معه أحد طلبته ليعلم قَومه أصول الفقه والشريعة الإسلامية.

وكان يحيى بن إبراهيم حريصًا على أخذ فقيه وعالم معه إلى قَومه، ورأى أبو عمران الفاسى مِن أجل تحقيق الأهداف التى رسموها, أنه لابُدَّ من المرور بمراحل ضرورية فى بناء الدولة المنشودة, من مرحلة التعريف بالمنهج وتكوين أفراده وتربيتهم عليه, وتنفيذ السياسة المرسومة بعد التكوين للوصول إلى مرحلة القُوَّة والتَّمكين.
فأحال أبو عمران أمير المُلَثَّمين على تلميذ له فى بلاد السوس فى أقصى المغرب، وهو الفقيه وجاج بن زلوا اللمطي، الذى كان يقيم فى رباط هناك بمدينة نفيس يسمى دار المرابطين، ومن هذا الرِّبَاط أرسل وجاج صحبة هذا الأمير الفقيه عبد الله بن ياسين الجزولى ليفقه هؤلاء الصحراويين فى أمور دينهم.

وكان يحيى بن إبراهيم بجانب تفكيره فى إخراج قَومه من الظُّلُمَات إلى النُّور يفكر فى إنقاذ قَومه من الهيمنة الزناتية الظالمة,التى كانت قبائل صنهاجة المُلَثَّمة تعانى من جورها وقسوتها وإذلالها وإهانتها.
لقد رأى الأمير يحيى أن طريق عزة قَومه فى تمسكهم بالإسلام الصحيح، وقد لاحظ الأمير يحيى بن إبراهيم أن كلَّ مَن حرَّكوا القبائل البربرية وهيأوها لإنشاء الدول، كانوا جميعًا من المتحمسين مِن علماء الدين، أو أصحاب الدعوات الدينية سواء كانت خارجية بدعية، أو إسماعيلية كفرية، أو إدريسية مالكية، مِن أمثال: أبى الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى الخارجي، وأبى عبد الله الشيعى الباطني، وإدريس بن عبد الله بن الحسن ابن على بن أبى طالب, حتى برغواطة ذات الديانة الشركية المجوسية اليهودية تزعَّمَها رجل يدَّعى أنه مِن أهل العلم، وهو ميسرة الفقير، وحتى قبيلة غمارة تزعمها صالح البرغواطى الذى زعم أنه «صالح المؤمنين» الذى ورد ذكره فى القرآن.
كما كان الأمير يحيى بن إبراهيم يخشى من خطر الجنوب ويهتمُ بدعوة القبائل الوثنية للأسلام .
وبدأ الأمير يحيى فى شق طريقه المليء بالأشواك من أجل إنقاذ قَومه وإعزازهم فى الدنيا والآخرة، ورجع إلى أهله وعشيرته ومعه الرجل الربَّانى والفقيه المالكى والمربى الصبور والزَّعِيم الدينى الإمام عبد الله ياسين، وقبل الدخول فى سيرته نترجم للإمام السنى المالكى سيد القيروان فى زمانه.


أبو عمران الفاسي
مهندس الخطوط العريضة
لدولة المرابطين (368 هـ - 430 هـ)

ذكر القاضى عياض فى «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك» ترجمة أبى عمران الفاسى فقال: «هو موسى بن عيسى بن أبى حاج بن وليم بن الخير الغَفَجُومي، وغَفَجُوم فخذ من زناتة من هوارة, وأصله من فاس، وبيته بها بيت مشهور، يعرفون ببنى أبى حاج، ولهم عقب، وفيهم نباهة إلى الآن».

شيوخه

تفقَّه بالقيروان عند أبى الحسن القابسي، وسمع بها من أبى بكر الدويلي، وعلى بن أحمد اللواتى السوسي، ورحل إلى قُرْطُبَة، فتفقَّه بها عند أبى محمد الأصيلي، وسمع الحديث من أبى عثمان سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم، وغيرهم، ثم رحل إلى المشرق، فحج ودخل العراق، فسمع من أبى الفتح ابن أبى الفوارس، وأبى الحسن على بن إبراهيم المستملي، وأبى الحسن الخضر، وغيرهم من العراقيين، ودرس الأصول على القاضى أبى بكر الباقلاني، وسمع بالحجاز من أبى الحسن بن أبى فراس، وأبى القاسم السقطي، وبمصر من أبى الحسن ابن أبى جدار، وأحمد بن نور القاضي، ثم رجع إلى القيروان، وسكنها، وأصبح سيدها المطاع، وأقبل عليه طلاب العلم من كل صوب.

أثره وتلاميذه

ابتدأ نشاطه العلمى سنة 402هـ، حين عاد من المشرق، فقد جلس للطلبة فى المسجد، وفى داره أيضًا، وسرعان ما عُرف قدره، واشتهرت إمامته، وطار ذكره فى الآفاق، وقد خلف الإمام القابسى المتوفى سنة 403هـ، فى نشر علوم السنة فى إفريقية ورئاسة العلم بها, ورحل إليه النَّاس من الأقطار لسماع مروياته واستجازه من لم يستطع الاجتماع به.
وكان يجلس فى حلقته العِلمِيَّة من بعد صلاة الصبح إلى صلاة الظهر، يحدثهم ويملى عليهم، ويقرأ لهم، «فلا يتكلم بشيء إلا كُتب عنه إلى أن مات».
وكان يحدثُ بصحيح البُخارى و «التَّارِيخ الكبير» له أيضًا، و«تصحيف المُحَدِّثِين» للدارقطني، وكان يحدّث كذلك بمصنفاته فى الحديث والرجال والفقه، وقد انتشرت روايتها فى الأَنْدَلُس أيضًا عن طريق تلاميذه من أهلها.
وكان متضلعًا فى كلام الرواة جرحًا وتعديلاً، ومعرفة سيرهم ووفياتهم وغير ذلك.
وكان العامة من أهل القيروان خصوصًا يرجعون إليه فيما يلم بهم ويستفتونه.
كما كان الموفدون فى مهمات سياسية إلى القيروان يسألونه ويستفتونه ويستفيدون من علمه.
وكان له اهتمام بالبلاد البعيدة ويرسل إليها من يقَوم بنشر العلم كما حدث فى اهتمامه بصحراء المغرب، وما نتج عن ذلك الاهتمام من قيام دولة المرابطين فى تلك المناطق النائية.
وقد تتلمذ عليه عدد كبير من النَّاس من أهل إفريقية والمغرب، والأَنْدَلُس، وصقلية، قال الذهبي: «تخرَّج بهذا الإمام خلق من الفقهاء والعلماء».

شعره

عندما كتب محمد بن على الطبنى أبياتًا من الشعر وأرسلها إلى أبى عمران الفاسى بمناسبة العزم على الذهاب إلى بيت الله الحرام، أجاب أبو عمران الفاسى بهذه الأبيات:

حيَّاك ربُّك مِن خلٍّ أخى ثقة
وصان نفسك بالتكريم مولاها

مِن كلِّ غم وشان لا يوفقها
فهو العليم بما يبديه مولاها

ولا أضاع لها الرَّحمن حرمتها
وقولها إن تسر ودعتك الله

الله يجمعنا من بعد أوبتنا
ويؤتنا من وجوه البر أسناها

هذه ترجمة موجزة لواضع الخطوط العريضة لدولة المرابطين.
وتُوفى - رحمه الله - سنة ثلاثين وأربعمائة من الهجرة.

الزعيم الدينى لدولة المرابطين
عبد الله بن ياسين

هو عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سير بن على الجزولي, أصله من قرية «تماماناوت» فى طرف صحراء غانة.
درس على فقيه السوس وجاج بن زلوا، رحل إلى الأَنْدَلُس فى عهد ملوك الطوائف وأقام بها سبع سنين, واجتهد فى تحصيل العلوم الإسلامية, ثم أصبح مِن خيرة طلاب الفقيه وجاج بن زلوا فعندما طلب أبو عمران الفاسى مِن تلميذه وجاج ابن زلوا أن يرسل مع يحيى بن إبراهيم فقيهًا عالمًا دينًا تقيًا مربيًا فاضلاً وقع الاختيار على عبد الله بن ياسين الصنهاجى الذى كان عالمًا بتقاليد قَومه وأعرافهم وبيئتهم وأحوالهم.

ودخل عبدُ الله بن ياسين مع يحيى بن إبراهيم فى مضارب ومواطن ومساكن المُلَثَّمين من قبيلة جدالة فى عام 430 هـ/ 1038م فاستقبله أهلُها واستمعوا له، وأخذ يعلمهم، فكان تعليمُه باللغة العربية لطلبة العلم، والإرشاد الدينى للعامة بلهجة أهل الصحراء البربرية.
لاقى عبد الله بن ياسين كثيرًا من الصعوبات، فقد وجد أكثر المُلَثَّمين لا يصلون ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، وعم الجهل عليهم، وانحرفوا عن معالم العقيدة الصحيحة وتلوثت أخلاقُهم وأحكام دينهم، واصطدمت تعاليمه بمصالح الأمراء والأشراف، فثاروا عليه، وكادوا يقتلوه، إلا أنه ترك قبيلة جدالة، وانتقل إلى قبيلة لمتونة، ومِن ثمَّ اختار رباطه المشهور على مصب نهر السنغال، بعد انتشار صيته، وتعلُّق النَّاس به، فهرعوا إليه ليربيهم وينظمهم ويعلمهم.

ومِن خلال كُتب التَّارِيخ نستطيع أن نقول: إن عبد الله بن ياسين – رحمه الله- نجح فى رسالته الدعوية لأسباب مُهمَّة يجب أن يعرفَها الدعاةُ إلى الله, ألا وهى ما وهبه الله مِن صفات فطرية, وما اكتسبه فى حياته من صفات عقلية, وصفات حركية.

التوسع لدولة المرابطين و
القائد الربانى يوسف بن تاشفين
400 - 500 هـ / 1009- 1106م

نسبه

يوسف بن تاشفين بن إبراهيم اللمتونى الصنهاجي, وأُمُّه بنت عم أبيه فاطمة بنت سير بن يحيى بن وجاج بن وارتقين، وكانت قبيلته قد سيطرت بسيادتها وقيادتها على صنهاجة، واحتفظت بالرئاسة منذ أن جعلها الإمام ابن ياسين فيها بعد وفاة الأمير يحيى ابن إبراهيم الجدالى ، فنما عزيزًا كريمًا فى قَومه.
كان يوسف أسمر اللون نقيُّه, معتدل القامة، نحيف الجسم، خفيف العارضين، رقيق الصوت، أكحل العينين، أقنى الأنف، له وفرة تبلغ شحمة الأذن، مقرون الحاجبين, أجعد الشعر.

كان يجمع بين جمال الطلعة وجمال الجسم، وبين أبدع المواهب، كان بطلاً شجاعًا، نجدًا حاذقًا، جوَّادًا كريمًا، زاهدًا فى زينة الدنيا، عادلاً متورعًا, متقشفًا, لباسه الصوف، وطعامه خبز الشعير، ولحوم الإبل وألبانها كان عزيز النَّفس كثير الخوف من الله.
كان يجمع الصفح والعفو عن الذنوب مهما كبرت ما عدا الذين يرتكبون الخيانة فى حق الدِّين فلا مجال للعفو عنهم.

تلقَّى يوسف تعاليمه الأولى فى قلب الصحراء من أفواه المُحَدِّثِين والفقهاء، ونما وترعرع وتربَّى على تعاليم الإمام الفقيه ابن ياسين، ونبغ فى فنون رجال الحرب، وفى السياسة الشرعية التى تتلمذ على الفقهاء فيها .
وتزوَّج الأمير يوسف من سيدة أندلسية تُدعَى قمر ولا تذكر كتب التَّارِيخ عنها شيئًا، ويقال: هى التى أنجبت الأمير علي ولى العهد، وأمير الأَنْدَلُس والمغرب بعد والده.

وتزوَّج يوسف امرأة تسمى عائشة, وأنجبت له الأمير محمد الذى نسب إليها فصار يدعى محمد ابن عائشة، وَرُزِق يوسف مجموعة من الذكور والإناث بكرهم تميم الذى توفى غداة معركة الزلاقة وكان واليًا على سبتة، وعليٌّ الذى تولى الإمارة بعده، وإبراهيم, ومحمد الذى كان أحد القادة البارزين فى جيش والده وأمَّا بناته فهما: كونة ورقيَّة.

المراحل العسكرية التى مر بها يوسف فى جيش المرابطين:
1- 448-452هـ / 1056-1060م

كان فى هذه المرحلة مجرد قائد من قواد المرابطين يتلقَّى الأوامر وينفِذُها بكل نجاح، وكانت هذه المرحلة غنية بالتجارب والخبرات التى شحذت ذهنه وأهَّلته للمرحلة التالية، فكأنَّها كانت ممارسة للسلطة، والاطلاع على خفاياها دون تحمُّل المسئولية، استطاع بعدها تسلُّم الإمارة بكل الأوامر التى وكِّلت إليه بكل همة ونشاط ودون تردد، وقاد المرابطين إلى النصر فى ميادين الجهاد والعزة والكرامة والشرف.
وظهر نجم يوسف للمرابطين فى معركة الواحات 448هـ - 1056م التى كان فيها قائدًا لمقدمة جيش المرابطين المهاجم، وبعد فتح مدينة سجلماسة عيَّنه الأمير أبو بكر واليًا عليها، فأظهر مهارة إدارية فى تنظيمها، ثم غزا بلاد جزولة وفتح ماسة ثم سار إلى تارودانت قاعدة بلاد السوس وفتحها, وكان بها طائفة من الشيعة البجليين نسبة إلى مؤسسها على بن عبد الله البجلي، وقتل المرابطون أولئك الشيعة, وتحوَّل مَن بقى منهم على قيد الحياة إلى السنة.

ثم جاء دور أغمات، كانت مدينة مزدهرة حضاريًّا إذ كانت أحد مراكز النصرانية القديمة, ومقرًا للبربر المتهودين، كان يحكمها الأمير لقوط بن يوسف بن على المغراوي.
تلقَّى يوسفُ التعليمات من الأمير أبى بكر بالزحف نحوها, ومهاجمتها, ودكِّها، ودخل المرابطون المدينة (449هـ/ 1057م).
وسار المرابطون وفى جملتهم يوسف نحو دولة برغواطة «الدولة الكافرة الملحدة» ونشبت المعارك بين الفريقين، وأصيب خلالها الإمام ابن ياسين بجراح بالغة توفى على أثرها كما علمتَ فى 451هـ / 1059م.
كان استشهاد الإمام الفقيه عبد الله بن ياسين البداية الأولى فى دفع يوسف إلى رئاسة الدولة الناشئة.

وعندما دخل أبو بكر بن عمر بجيوشه إلى الصحراء, وأناب ابن عمه يوسف على المغرب, ظهرت خلالها مواهب يوسف العسكرية والإدارية والتنظيمية والحركية والدعوية، وسلم النَّاسُ بزعامته, وبدأ فى تأسيس دولته بالحزم والعلم والجد والمثابرة والبذل والعطاء.
وعندما رجع أبو بكر من الصحراء جمع أشياخ المرابطين من لمتونة وأعيان الدولة، والكُتَّاب والشهود، وأشهدهم على نفسه بالتخلى ليوسف عن الإمارة، وعلَّل الأمير أبو بكر هذا التنازل لابن عمه يوسف لدينه وفضله وشجاعته وحزمه ونجدته وعدله وورعه وسداد رأيه ويمن نقيبته، وأوصاه الوصية التالية «يا يوسف إنِّى قد ولَّيتُك هذا الأمر وإنِّى مسئول عنه؛ فاتق الله فى المُسْلِمين, وأعتقنى وأعتق نفسك من النار، ولا تُضيِّع من أمر رعيتك شيئًا؛ فإنَّك مسئول عنهم، والله تعالى يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل فى رعيتك, وهو خليفتى عليك وعليهم».
ويحلو لبعض الكُتَّاب من المؤرخين أن يُفَسِّرَ هذا الإيثار والتنازل عن المُلك بإن أبا بكر خشى من سطوة يوسف الذى أظهر له عدم استعداده التنازل عن الملك؛ وسيرة الرجُلين من الصلاح والتقوى تنافى ادعاءهم الباطل.

فتح المَغْرِب الأقصى الشَّمَالى 454هـ - 477هـ

قام يوسف بن تاشفين نحو المغرب الشَّمَالى لينتزعه من أيدى الزناتيين, واستخدم من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود إرسال الجيوش للقضاء على جيوش المخالفين مستفيدًا من الخلافات السياسية بين قادة المدن، فحالف بعضها من أجل قتال الباقي، واستطاع أن يدخُلَ مدينة فاس صلحًا عام 455هـ، ثم تمرَّد أهلها عليه إلا أنه استطاع إخماد جميع الثورات التى قامت ضد المرابطين بجهاده، وكفاحه المستمرِّ، حتى تمَّ له فتح جميع البلاد من الريف إلى طنجة عام 460هـ / 1067م.

وأعاد فتح فاس عنوة بحصار ضربه عليها بجيش قوامه مائة ألف جندى عام 462هـ/ 1069م, فقضى على شوكة مغراوة وبنى يقرن وسائر زناتة، ونظم المساجد والفنادق وأصلح الأسواق، وخرج من فاس عام 463هـ إلى بلاد ملوية وفتحها واستولى على حصون وطاط من بلاد طنجة .

لقب الأمارة

بعد هذه الانتصارات الناجحة استدعى شيوخ وأمراء المغرب من قبائل زناتة ومصمودة وغمارة، وأكرمهم وبذل لهم العطاء وأحسن إليهم، وبايعوه على الإمارة وخرج بهم يطوف فى أقاليم المغرب يتابع الأمراء ويحاسب الولاة، وينشر العدل ويرفع المظالم فهابته النفوس، واقتنعت أنها أمام رجل دولة عبقرى فذ.

وبعد أن رجع من تلك الجولَة التفقدية الإصلاحية سار بجيوشه عام (465هـ/1072م) لغزو الدمنة من بلاد طنجة وفتح جبل علودان ، وفى عام (467هـ/1074م) استولى على جبل غياثة وبنى مكود وبنى رهينة من أحواز تازا, وجعلها حدًّا فاصلاً بينه وبين زناتة الهاربة إلى الشرق، وأبعد عن المغرب كلَّ مَن ظنَّ فيه أنه من أهل العصيان، فأصبح خالصًا له مرتاحًا إلى طاعته مطمئنًا إلى خلوده إلى السكينة والهدوء غير تواق للثورة عليه.

وأصبحت منطقة تازا ثغرًا منيعًا بينه وبين زناتة؛ ولذلك اعتبر المُؤَرِّخُون عام 467هـ/ 1074م فاصلاً فى تاريخ الدولة المرابطية إذ بسط يوسف نفوذه على سائر المغرب الأقصى الشَّمَالى باستثناء طنجة وسبتة.
وسيَّر يوسف بن تاشفين إلى طنجة جيشًا من اثنى عشر ألف فارس مرابطى وعشرين ألفًا من سائر القبائل, وأسند قيادته إلى صالح بن عمران عام 470هـ، وعندما اقتربت جيوش المرابطين من طنجة برز إليهم الحاجب بن سكوت على رأس جيش وهو شيخ يناهز التسعين، وانتصر المرابطون وفتحوا طنجة وقتل فى تلك المعارك الحاجب بن سكوت وبعد فتح طنجة استأنف الأمير يوسف توسُّعَه نحو الشرق لمطاردة زناتة التى لجأت إلى تلمسان، وكان هدفه القضاء على أى مقاومة تُهَدِّد دولة المرابطين فى المستقبل، وبدأت عمليات الهجوم الوقائى التى استطاعت أن تحقق أهدافها وتهزم جيش تلمسان المعادى وتأسر قائده معلى بن يعلى المغراوى الذى قُتل على الفور، ورجعت كتائب المرابطين إلى مراكش, ثم عاد يوسف نحو الريف، وغزا تلك الأراضى وضم مدينة تكرور ولم تعمر بعد ذلك.

ثم رجع بجيوشه نحو وهران وتنس وجبال وانشريش ووادى الشلف حتى دخل مدينة الجزائر, وتوقف عند حدود مملكة بجاية التى حكمها بنو حمَّاد -فرع من صنهاجة.
وبنى يوسف فى مدينة الجزائر جامعًا لا يزال إلى اليوم ويُعرف بالجامع الكبير وعاد إلى مراكش عام 475هـ/1081م وبذلك توحَّد المغرب الأقصى بعد جهاد استمرَّ ثلاثين عامًا، وأصبحت دولة المرابطين فى مرحلة التَّمكين الفعلية, وفى عام 476هـ / 1083م وجَّه الأمير يوسف ابنه المُعزَّ فى جيش إلى سبتة لفتحها إذ كانت المدينة الوحيدة التى لم تخضع له, كان يحكُمُها بعد وفاة الحاجب بن سكوت ابنه ضياء الدولة يحيى, فحاصرها المعزُّ برًا وبحرًا, ودارت معركة بحرية طاحنة، وفى نهاية المطاف استطاع المرابطون أن يفتحوا سبتة، وقتل ضياء الدولة بعد أن ألقى القبض عليه، وكان ذلك عام 477هـ/ 1084م.
بعد هذه الجولة الجهادية الموفَّقَة تم توحيد المغرب الأقصى بجميع نواحيه بعد عمل جادٍّ مستمرٍّ، وأصبحت الدولة المرابطية قُوَّة لا يُستهان بها تُشكل خطرًا على النصارى فى الأندلس، وملجأً وحصنًا للمسلمين فى الأندلس، حيث إن النصارى استفحل خطرهم فى الأَنْدَلُس، حيث قامت دويلات فى كل مدينة وصلت إلى ثلاث وعشرين دويلة تناحرت فيما بينها، وعُرف حكامها بملوك الطوائف وتلقَّبوا بالألقاب الخلافية كالمأمون والمعتمد والمستعين والمعتصم والمتوكل إلى غير ذلك من الألقاب .


المرابطون ودفاعهم عن مسلمى الأندلس


تمهيد:

استطاع عبدُ الرحمن الداخل أن يُؤسِّسَ إمارة أموية فى الأَنْدَلُس سنة 138هـ، وبدأ عصر الخلافة الأموية فى الأَنْدَلُس سنة (316هـ/929م) عندما أعلنها عبد الرحمن الناصر، الذى اشتهر بالحزم والذكاء والعدل، والعقل والشَّجَاعَة وحبه للإصلاح وحرصه عليه.
ووحَّد الأَنْدَلُس بالقُوَّة والسياسة وأعاد وحدتها وقوتها ومكانتها, وحارب المتمردين من حكام الشَّمَال الإسبانى وأخضعهم لشروطه.
وكان سبب إعلانه الخلافة فى الأَنْدَلُس ضعف الخلافة العباسية، وظهور الدولة العُبيدية فى الشَّمَال الإفريقي، فأعلن الخلافة، وتلقَّب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله وفى عام 400هـ / 1009م بدأ ظهور عصر الطوائف فى الأَنْدَلُس، الذى دام حتى عام 484هـ/ 1091م.
وكان ذلك بسبب سقوط الخلافة الأموية التى نخرتها الأطماع والأحقاد والصراعات الدَّاخليَّة على الحكم، وسعيُ بعض الشخصيات للمجد الشخصى متناسيًا فى ذلك مصالح الأمة وضرورة وحدتها لتقف صفًا واحدًا أمام أعدائها.

لقد انقسمت الأَنْدَلُس إلى دويلات, واتخذ حكامها ألقابهم تبعًا لحجم دويلاتهم فأحدهم: ملك أو أمير، أو والٍ أو قاض.
ونظرًا لاختلاف القوى والرياسات، فقد أخذ القوى يبطش بالأضعف، والأضعفُ يدرأ الخطر بالتحالف مع جاره القوي، وأحيانًا يستنجد بأمراء النصارى مقابل ثمن باهظ.
وتكوَّنت من هذه الدويلات العديدة أربع دِوَل رئيسية:

- فى جنوب الأَنْدَلُس، حكم الأدارسة الإفريقيون أو بنو حمود أصحاب مالقة، وحالفهم أمير غرناطة وقرمونة، وألبيرة وجيان وأستجة، فضلاً عن حكمهم مليلة وطنجة وسبتة فى شمال المغرب.
- بنو عباد أمراء إشبيلية، أقوى ملوك الطوائف، ومن حلفائهم بنو جهور فى قُرْطُبَة، وبنو الأفطس أصحاب بطليوس فى جنوب وغرب الأَنْدَلُس.
- بنو ذى النون أمراء طُلَيْطِلَة، الذين حكموا أواسط إسبانيا، والذين وقفوا فى وجه بنى عباد، وكلفهم ذلك دفع جزية لملك قشتالة النصرانى التماسًا لعونه ضد خصومهم.
- بنو عامر فى بلنسية ومرسية الذين حكموا فى شرقى إسبانيا، وطبقًا لظروفهم، فقد كانوا يحالفون الأدارسة تارة أو بنى عباد، أو بنى ذى النون تارة أخرى. . . بسط بنو عامر نفوذهم على الثغور الممتدة من مرية حتى مصبِّ نهر أبرة سنة 1051م. 1

الصراع بين طليطلة وقرطبة

عندما تولى المأمون يحيى بن ذى النُّون عام 1043م، إمارة طُلَيْطِلَة اغتنم عون حليفه القوى عبد العزيز بن أبى عامر، واستأجر الفرسان النصارى من القشتاليين ليبطش بمحمد بن جهور أمير قُرْطُبَة، فتدخل بنو عباد أصحاب إشبيلية، وبنو الأفطس أصحاب بطليوس للوقوف ضد صاحب طُلَيْطِلَة الذى كان يهددهم جميعًا، وسار أمراء لبلة وولبة وجزيرة شليطش للانضمام إلى الحلف الذى تزعمه صاحب لبلة عبد العزيز اليحصبى ليعقد محالفة مع قُرْطُبَة.

تحرَّك الجميع تطبيقًا لهذا التحالف لإنجاد قُرْطُبَة، فانتهز ابن عباد أمير إشبيلية هذه الفرصة واكتفى بإرسال خمسمائة فارس إلى ابن جهور، وزحف فى جيش قوى على لبلة، وولبة وجزيرة شليطش وأكسونية واستولى عليها، ثم فتح قرمونة سنة 1053م, طالت الحرب بين طُلَيْطِلَة وقُرْطُبَة، ودامت أعوامًا، وكانت سجالاً، وأراد المأمون صاحب طُلَيْطِلَة حسم الموقف، فأوقع بقوات قُرْطُبَة وحليفاتها هزيمة شديدة، واستطاع الوصول إلى قُرْطُبَة فحاصرها، فبادرت إشبيلية إلى إغاثتها، فأرسل ابن عباد ابنه محمدًا على رأس جيش قوى فيه وزيره أبو بكر محمد بن عمار الموصوف برجاحة عقله، وشدة ذكائه, وزوَّدهما بخطة وأوامر سرية خاصَّة.

واستطاع جيش ابن عباد أن يفك الحصار عن قُرْطُبَة، واضطرَّ الطليطليون لرفع الحصار, وارتدوا عنها، وخرج القرطبيون ليطاردوا أعداءهم فأتموا بذلك هزيمة الطليطليين.
ونُفِّذَتْ خُطَّةُ ابن عباد السرية وكان محتواها دخول قُرْطُبَة عندما يخرج منها أهلها خلف الطليطليين، ودخلتها قوات ابن عباد دون معارضة، واحتلت مراكزها الحصينة قبل أن يفطن القرطبيون إلى أن مَن جاء لنُصرَتِهم غدرَ بهم، وبذلك سقطت دولة بنى جهور فى قُرْطُبَة ولم يمض على قيامها ثلاثون عامًا فى محنة محزنة وخيانة فظيعة، وأصبح ابن عباد أمير إشبيلية أقوى أمراء الأَنْدَلُس المُسْلِمة، تخوَّف المأمون أمير طُلَيْطِلَة من قُوَّة ابن عباد أمير إشبيلية التى نمت نموًا سريعًا، وبخاصَّة بعد أن حالفه العامريون أمراء قسطلون ومربيطر وشاطبة المرية ودانية، فحاول التحالف مع صهره زوج ابنته عبد الملك المظفر حاكم بلنسية الذى رفض ذلك مُحتَجًّا بأن وقوف العامريين إلى جانب إشبيلية يجعل إقدامه على هذا التحالف خطرًا على بلنسية، فما كان من المأمون إلا أن عقد حلفًا مع فرديناند الأول صاحب قشتالة.

وهجمت القوات المشتركة المتحالفة «قوات المأمون وفرديناند الأول» على بلنسية، فسقطت ولاية بلنسية كلُّها فى يد المأمون فى تشرين الأول سنة 1065م, عاد بعدها إلى طُلَيْطِلَة ليجهز قواته لقتال ابن عباد، وحال بينه وبين ما أراد وفاة فرديناند الأول، ونشوب حرب ضروس بين أولاده، فنقض المأمون عهده مع قشتالة، وامتنع عن دفع الجزية، مما أدى إلى حرمانه من معونة النصارى، وهى المعونة التى لم يستطع أن يحارب أمير إشبيلية بدونها، فلما تمَّ أمر الحكم لسانشو ابن فرديناند سنة 1070م, هرب أخوه ألفونسو إلى المأمون صاحب طُلَيْطِلَة والتجأ أخوه الثَّانِى جارسية إلى المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، وفى سنة 461هـ/ 1069م توفى المعتضد بن عباد أمير إشبيلية، فخلفه ابنه المُلقَّب بالمعتمد على الله، ولم يكن أمام الأمير الجديد ما يخشاه إلا أمير طُلَيْطِلَة الذى ملك بلنسية فى الوقت نفسه، أما بقيَّة ملوك الطوائف فقد انكسرت شوكتهم وتزعزع كيانهم فى حروبهم الدَّاخليَّة من غزوات النصارى المتتابعة عليهم.

واستطاع المأمون حاكم طُلَيْطِلَة أن يتوسَّعَ ويحقق انتصارات واسعة سنة 1073م على مرسية وأريولة وعدة مدن أخرى، وبهذا أصبح الأمير الأقوى الذى يسيطر على أواسط إسبانيا كلِّها، وبخاصة بعد أن فاز ألفونسو بحكم قشتالة بعد وفاة «شانجة» وتحالف مع المأمون الذى رعاه وحماه عند محنته وتعاهد الأميران على أن يرتبطا معًا برباط الصداقة الوثيق.
وأصبح أمير إشبيلية فى خوفٍ من توسُّع أمير طُلَيْطِلَة الذى فاجأ المعتمد بتحالفه مع بنى هود أصحاب سرقسطة وبنى الأفطس أصحاب بطليوس، وهاجم خصمه من ثلاث جهات لكى يُحكِمَ تسديد الضربة إلى قُرْطُبَة؛ فسقطت دون مقاومة تُذكَر سنة 468هـ, ولكن المأمون تُوفى بعد دخولها بأيام قلائل؛ فرجع جنده عنها إلى طُلَيْطِلَة، واسترد ابن عباد قُرْطُبَة، وبقيت إشبيلية تحت حكم ابن عباد حتى استولى عليها المرابطون سنة 474م.

وأرسل ابن عباد سفيره ووزيره البارع ابن عمار إلى عاصمة قشتالة يومئذٍ, وتحالف مع ألفونسو، وتعهَّد بها ملك قشتالة بمعاونة أمير إشبيلية بالجند والمرتزقة ضد جميع المُسْلِمين، ويتعهَّدُ ابن عباد مقابل ذلك أن يدفع إلى ملك قشتالة جزية كبيرة، وتعهَّدَ بألا يتعرض لمشروع ألفونسو فى افتتاح طُلَيْطِلَة، وهكذا ضحى ابن عباد بمعقل المُسْلِمين إسبانيا المُسْلِمة، لكى يفوز ببسط سيادته على الإمارات التى لم تخضع له بعد، وهى إمارات غرناطة وبطليوس وسرقسطة.
واستفاد ألفونسو من هذه الاتفاقية وأعلنها حربًا لا هوادة فيها على طُلَيْطِلَة التى حمته من مطاردة أخيه سانشو, ونسى الأمير الطموح للتوسُّع كلَّ عهوده ومواثيقه, وشرع فى غدره بِمَن أحسن إليه.

وتحرَّك المعتمد بن عباد بجيشه نحو غرناطة ليضُمَّها إلى سلطانه وكان حاكمها عبد الله بلكين بن باديس، وكان ابن هود أمير سرقسطة يرى الخطر يشتدُّ عليه يومًا فيومًا من شانشو الأول ملك أرجون، فلم يستطع إنجاد طُلَيْطِلَة سوى أمير بطليوس يحيى بن الأفطس المُلَقَّب بالمنصور، فجمع قواته وسار إلى لقاء ألفونسو، ولكن ألفونسو الذى كان قد أثخن فى ولاية طُلَيْطِلَة، حتى صيرها قفرًا بلقعًا، شعر باقتراب المنصور، فانسحب, ولكنَّه كرَّر الرجعة فى العام التالي؛ فعاث فى بسائط طُلَيْطِلَة وخرَّبها مرة أخرى، وزحف المعتمد على بطليوس، وبهذا استطاع أن يُحول دون معاونة بنى الأفطس لطُلَيْطِلَة حيث القادر بن ذى النون، ولم يستطع أمير سرقسطة من بنى هود «المؤتمن» معاونة القادر معاونة قوية خشية أن تقع سرقسطة ذاتها فريسة لابن عباد أو النصارى، وهو فى جهاد ضد أرجون وبرشلونة، واستمرَّت الحرب أعوامًا، وألفونسو يفسد فى بلاد المُسْلِمين «طُلَيْطِلَة» ومَن حولها فسادًا.

وفى السابع والعشرين من المحرم سنة 478هـ - الخامس والعشرين من آيار «مايو» سنة 1085م استطاع أن يدخل طُلَيْطِلَة «عاصمة القوط القديمة» ودخلت طُلَيْطِلَة بذلك إلى حظيرة النصرانية بعد أن حكمها المُسْلِمون ثلاثمائة واثنين وسبعين عامًا، واتخذها ملك قشتالة حاضرة ملكه من ذلك الحين، وأصبحت بذلك عاصمة إسبانيا النصرانية.
وهكذا انتهت دولة ذى النون فى طُلَيْطِلَة لتستمرَّ فى بلنسية
تأثَّر المُسْلِمون بسقوط طُلَيْطِلَة تأثُّرًا عميقًا على مختلف الساحة الإسلامية فى الأَنْدَلُس، وتفجَّرت قريحة الشعراء فى استثارة الهمم والتحريض على الجهاد، والتحذير من تفاقم الخطر لقد كانت روما تقف بكل ما تملك من قُوَّة معنوية ومادية خلف ألفونسو وجنوده للقضاء على المُسْلِمين، وأسبغوا على قتال المُسْلِمين صفة الحروب الصليبية المقدسة وأصبح البابوات لهم دور فى توجيهها.

وندم المعتمد بن عبَّاد على فعلته خصوصًا عندما رأى ألفونسو يتوسَّع فى ضمِّ ممالك المُسْلِمين إليه، وأيقن إن الدائرة عليه قادمة، واجتمع أمراء المُسْلِمين عندما رأوا إن شبح السقوط ماثلاً أمام أعينهم، فاتحدوا لأول مرة واجتمعت كلمتهم على أن يضعوا حدًا لفتوح ألفونسو, وإذا كانت قواتهم مُجْتَمَعة لا تكفى لرد عدوانه، فقد اتفقت كلمتهم على الاستنجاد بالمرابطين فى إفريقية واستدعائهم إلى الأَنْدَلُس، علمًا بإن ملوك الأَنْدَلُس كانت ترهِبُ الفرنج بإظهار موالاتهم لمَلِكِ المغرب يوسف بن تاشفين، وكان له شهرة تطايرت فى الآفاق لما حققه من ضمِّ دِوَل إلى دولته وقضائه عليها, واشتهر بين النَّاس أن لأبطال المُلَثَّمين فى المعارك ضربات بالسيوف تقد الفارس, وطعنات تنظم الكلى، فكان لهم بذلك ناموس ورعب فى قلوب المنتدبين لقتالهم.

الأندلـــــس بعد الزلاقــــــة

بعد رجوع يوسف بن تاشفين إلى المغرب للأسباب التى ذكرتها تولى قيادة المرابطين القائد الميدانى سير بن أبى بكر, الذى واصل غاراته الناجحة مع أمير بطليوس على أواسط البرتغال الحالية مما يلى تاجة، وقد أثخنتْ قواتُه مع قوات المرابطين فى تلك البقاع.

كما وجَّه المُعْتَمِد بن عَبَّاد ضربات موفقة بقيادته إلى عدة مُدُن حول طُلَيْطِلَة, ثم اتجه نحو أرض مرسية، حيث استقرَّت جموع الفرسان النصارى بقيادة الكنبيطور فى أحد الحصون القريبة التى تشن غاراتها على مُدُن المسلمين, خاصة مدينة المرية, إلا أن المُعْتَمِد انهزم واضطرَّ أن يلتجئ إلى قلعة لورقة فى كنف واليها مُحَمَّد بن ليون, ثم توجه نحو قرطبة تاركًا مرسية لمصيرها.

وبدأت قوات النصارى تتجمع حول ألفونسو الذى أربك مُدُن شرق الأَنْدَلُس, متخذين من حِصن لييط المنيع الواقع على مسيرة يوم من لورقة مركزًا لشنِّ الغارات على أراضى المُسْلِمِين.
فلم يمض عام واحد على هزيمة ألفونسو حتى عاد نشاطه وجيشه, ونقل مقر العمليات إلى شرق الأَنْدَلُس الذى خيمت عليه الفرقة السياسية, بعكس غرب الأَنْدَلُس الذى كانت تحكمه مملكتان قويتان هما مملكة إشبيلية وبطليوس, تعضدهما فرقة من المرابطين قوامها ثلاثة آلاف رجل على رأسها القائد العظيم سير بن أبى بكر .

تأذى أهل غرب الأَنْدَلُس من النصارى الحاقدين فتوافدت وفودهم على الأمير يوسف, وخصوصًا أهل بلنسية ومرسية ولورقة,يصفون للأمير يوسف ما نزل بهم على أيدى النصارى الذى يتحكمون فى حصن لييط.
وعبر المُعْتَمِد المجاز إلى المغرب وطلب من يوسف العبور، فاستجاب يوسف لرغبته، تمَّ جواز يوسف إلى الجزيرة الخضراء فى ربيع الأول سنة 481هـ/ 1088م, ومن هناك كتب الأمير يوسف إلى جميع أمراء الأَنْدَلُس يدعوهم إلى الجهاد، ثم تحرَّك الأمير يوسف إلى مالقة فى صحبة أميرها تميم بن بلقين، كما لحق الأمير عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة, والمعتصم بن صمادح، فضلاً عن المُعْتَمِد بن عَبَّاد، بالإضافة إلى أمراء مرسية وشقورة وبسطة وجيان، ولم يتخلف من ملوك الطوائف سوى ابن الأفطس صاحب بطليوس.
وتوجهت تلك الجموع لضرب الحصار على حصن لييط الذى كان يسكنه ألف فارس واثنا عشر ألفًا من المشاة من جنود النصارى الحاقدين أصحاب النزعة الصليبية الانتقامية، واستبسل النصارى فى الدفاع عن الحصن وكانوا يخرجون ليلاً للانقضاض على المُسْلِمِين وإلحاق الخسائر بهم.
واستمرَّ الحصار بدون جدوى وظهرت صراعات ملوك الطوائف فيما بينهم ووصلت للأمير يوسف الذى ساءه ذلك كثيرًا.

وشكى المُعْتَمِد بن عَبَّاد للأمير يوسف خروج ابن رشيق صاحب مرسية عن الطاعة ودفعه الأموال لألفونسو السادس تقربًا إليه، وظهرت المشاكل بين أبناء بلكين عبد الله وتميم للأمير يوسف، وكأن لا عمل له إلا حل المشاكل والمنازعات بين الأطراف المتنازعة
وتضايق الأمير يوسف من خيانة ابن رشيق الذى دفع أموالاً طائلة لألفونسو, وعرض الأمر على الفقهاء والعلماء الذين أفتوا بإزاحته من حكمه وتسليمه للمُعْتَمِد، واستغاث ابن رشيق بالأمير يوسف الذى أجابه بأنَّها أَحكام الدِّين ولا يستطيع مخالفتهاوأمر القائد سير بن أبى بكر باعتقاله وتسليمه للمُعْتَمِد مشترطًا عليه إبقاءه حيًّا.
وكانت لفتوى الفقهاء عند قادة المرابطين مكانة عظيمة يضعونها فوق كل اعتبار.

وفرَّ جيش ابن رشيق من المعركة، ومنع الزاد على جيش المرابطين ومَن معه من الأَنْدَلُسيين الذين يحاصرون الحصن، فارتفعت الأسعار، ووقع الغلاء واضطربت الأحوال، وعندما علم ألفونسو بالخلافات التى وقعت حشد جيشًا من أجل فك الحصارعن أتباعه فى حصن لييط، فاضطرَّ الأمير يوسف إلى فك الحصار خوفًا من معركة خاسرة غير مأمونة النتائج خاصة بعد الذى رآه من حُكَّام الأَنْدَلُس وتآمرهم واتصالهم بالعدو، ورجع الأمير يوسف إلى لورقة وترك أربعة آلاف مرابطى بقيادة داود ابن عائشة للمحافظة على منطقة مرسية وبعث بجنود إلى بلنسية بقيادة مُحَمَّد بن تاشفين .
واستطاع ألفونسو الوصول للحصن وأخرج من نجا من الموت، ورأى أن لا فائدة من الاحتفاظ بالحصن, لأنَّه يتطلب حماية كبيرة معرضة لمصير سابقاتها فقرَّر إخلاءه وتدميره, واسترجع ابن عَبَّاد الحصن بعد أن أصبح أطلالاً.

لقد أيقن الأمير يوسف إن أمراء الأَنْدَلُس لا يصلحون للحكم ولا يعتمد عليهم فى جهاد، وبعد رجوع الأمير يوسف فى عام 482هـ/1089م عرض الأمر على الفقهاء والعلماء فأفتوا له بضم الأَنْدَلُس للمغرب.
وكان فقهاء وعلماء الأَنْدَلُس يؤيدون ذلك، وكذلك فقهاء وعلماء المغرب والمشرق، وأرسل الإمام الغزالى وأبو بكر الطرطوشي فتوى تؤيد عمله الجليل من أجل توحيد صفوف المُسْلِمِين.

يقول الغزالي فى شأن أمراء الطوائف: فيجب على الأمير وأشياعه قتال هؤلاء المتمردة ولا سيما وقد استنجددوا بالنصارى، فقد أفتاه العلماء بجواز خلعهم وإزاحتهم، وبأنه فى حل مما تعهد لهم به من الإبقاء عليهم في جوازه الأول، لأنهم خانوا الله بمعاهدتهم ألفونس على محاربة المسلمين؛ وبالتالي فإن عليه أن يبادر إلى خلعهم جميعًا، فإنك إن تركتهم وأنت قادر عليهم، أغاروا بقية بلاد المسلمين إلى الروم وكنت أنت المحاسب بين يدي الله، وكان ممن استفتى في هذا الموضوع الفقيه يوسف بن عيسى المعروف بأبي الملجوم.
وطلب القضاة والفقهاء من يوسف أن يرجع ويوحد البلاد بالقوة، لتدخل تحت الخلافة الإسلاميَّة فى بغداد.

لقد كان ملوك الطوائف يهتمون بمصالحهم الخاصة لا ينظرون إلى عزة أمتهم حتى وصفهم ابن حزم بقوله: «لو وجدوا فى اعتناق النصرانية وسيلة لتحقيق أهوائهم ومصالحهم لما ترددوا ».
وكان المُسْلِمُون فى الأَنْدَلُس يتمنون أن ينضموا إلى دولة المرابطين, وعبَّر عن ذلك فقهاؤهم وعلماؤهم وبرز الفقيه القاضى ابن القلاعى «قاضى غرناطة», الذى توطدت العلاقة بينه وبين يوسف بن تاشفين منذ ذهاب أول بعثة إلى المغرب لطلب النجدة، إذ كان أحد أعضائها, وكان يرى فى الأمير يوسف صلاحًا وعدلاً وحزمًا.

حاول الأمير عبد الله ابن ملك غرناطة أن يتخلص منه فاعتقله, ثم اضطر إلى إطلاق سراحه، فهرب إلى قرطبة، ومن هناك اتصل بالأمير يوسف وأطلعه على خفايا من الأمور، وأفتى بخلع ملوك الطوائف,وتفاعل مسلمو الأَنْدَلُس مع هذه الفتوى الموفَّقَة .

العبور الثالث للأمير يوسف بن تاشفين للأندلس


بعد طلب العلماء والفقهاء في الأَنْدَلُس والمغرب والمشرق من الأمير يوسف أن يضُمَّ الأَنْدَلُس إلى دولة المرابطين الفتية التابعة للخلافة العباسية السُّنيَّة، عبر الأمير يوسف بقوة ضخمة,عبرت من سبتة إلى الجزيرة الخضراء وسار على رأس جيشه إلى طُلَيْطِلَة وأرسل فرقاً من جيشه نحو مختلف المدن، وسار بنفسه نحو مدينة غرناطة.

واستطاع أن يفتحَ غرناطة بعد شهرين من حصارها واعتقل أميرها، عبد الله بن بلكين الصنهاجى الذى تحالف مع النصارى من أجل أملاكه، ثم أرسله أسيرًا إلى المغرب، واستقرَّ فى أغمات بالقرب من مراكش .
وحاول المُعْتَمِد بن عَبَّاد والأفطس أن يثنيا الأمير يوسف عن عزمه، ولكنَّه رفض مقابلتهما, وأيقنا أن زوالهما قريب.
وألقى المرابطون القبض على تميم بن بلكين والى مالقة وأرسل إلى إفريقية، ثم رجع الأمير يوسف إلى سبتة، وتولَّى القيادة السياسية والعسكرية القائد المحنك سير بن أبى بكر، وبدأ الأمير يوسف فى إرسال الجيوش من المغرب إلى الأَنْدَلُس للقضاء الكلى على ملوك الطوائف، وأصبحت القوة المرابطة فى الأَنْدَلُس قوة ضاربة لا يستطيع أحد الصمود أمامها، وقسم الأمير يوسف جيش المرابطين إلى أربعة أقسام:

1- جيش بقيادة سير بن أبى بكر توجَّه إلى إشبيلية.
2- وجيش سار إلى قرطبة بقيادة أبى عبد الله بن الحاج وواليها، آنذاك، ولد المُعْتَمِد الفتح أبو النصر.
3- وسار جرور اللمتونى إلى أرض رندة بجيش ثالث، وفيها ولد آخر للمُعْتَمِد وهو يزيد الراضى بالله.
4- وسار أبو زكريا بن واسندوا إلى المرية التى فيها المعتصم بن صمادح، صديق المُعْتَمِد الحميم.

وبقى يوسف بن تاشفين فى سبتة على رأس جيش احتياطى لكى يقوم عند الحاجة بإنجاد هذا الجيش أو ذاك .
وسقطت قرطبة فى يد المرابطين فى صفر 484هـ/1091م بعد مقاومة عنيفة من ابنى المُعْتَمِد اللذين قتلا «المأمون ويزيد الراضي» ووصل المرابطون إلى ضواحى طُلَيْطِلَة مهددين ملوك النصارى، واستولوا على قلعة رباح التى فتحت الطريق أمامهم إلى قشتالة، واشتدَّ الخوف بالمُعْتَمِد بن عَبَّاد الذى أرسل إلى ألفونسو يستنجده ضد المرابطين، وعقد الخطر المشترك أواصر الصداقة بينهم.

وسقطت قومونة بعد حصار قصير فى ربيع الأول 484/1091م، وأصبح أمير إشبيلية فى خطر عظيم، وجاءته إمدادات النصارى التى أرسلها ألفونسو بقيادة الكونت جومز، وعدتها أربعون ألف رجل مرتجل، وعشرون ألف فارس، ووصلت إلى مقربة من قرطبة وتصدَّى لهم القائد الشجاع إبراهيم بن إسحاق فى جند الشجعان، ونشبت بين الفريقين معركة حاسمة، أصاب فيها المرابطون بالرغم من خسائرهم نصرًا كبيرًا مبينًا، وغدت إشبيلية بعد فرار النصارى تحت رحمة المرابطين .
وكانوا قد ضربوا حولها الحصار، وكان سير بن أبى أبكر يقود الجيش المحاصِر، وفتحت إشبيلية عنوة فى رجب 484هـ/1091م، وكانت خاتمة المُعْتَمِد بن عَبَّاد مأساة حزينة، وكانت عبرة لتقلُّب الدهر، وذلك أن الرجل الذى لبث زهاء ربع قرن يقبض بيديه على مصاير إسبانيا، والذى كان يحكم سواد النصف الجنوبى لشبه الجزيرة، والذى يرجع إليه سبب استيلاء ألفونسو السادس على طُلَيْطِلَة، والذى استدعى المرابطين إلى الأَنْدَلُس، اختتم حياته الحافلة بالأحداث فى غمرة البؤس والحزن فى أغمات المغرب فقد قبض عليه بعد سقوط إشبيلية، لقد كانت محنة المُعْتَمِد بن عَبَّاد عظيمة، وتعاطف معه كثير من المؤرخين والأدباء والشعراء، واتهموا يوسف بن تاشفين بالقسوة والغلظة وأنَّه صحراوى بدوى نزعت الرحمة من قلبه، واستدلُّوا أنه ذو نزعة توسعية دنيوية، ولذلك أنزل العقوبة المؤلمة على من استطاع من ملوك الأَنْدَلُس وتخلَّص منهم.

والواقع يقول: إن ابن تاشفين لم يطمع فى الأَنْدَلُس، وتردد كثيرًا قبل العبور، وعفَّ عن الغنائم بعد الزِّلاقَة وتركها للمُعْتَمِد ولأمراء الأَنْدَلُس، ولم يأخذ منها شيئًا، وكانت عودته, ثم عاد فى الجواز الثانى بسبب اختلافات ملوك الطوائف الهزلي، وتحالُفِ بعضهم مع ملوك النصارى، ولما اشتد الخطب على أهل الأَنْدَلُس, وأفتى العلماء بخلع ملوك الطوائف حرصًا على سلامة الدِّين والعقيدة؛ قرَّر الأمير يوسف أن يضع حدًا لمهزلة ملوك الطوائف, لقد آنَ - من أجل الشريعة والمصلحة العظمى للأمة- لهذه الدويلات الهزيلة الضعيفة المتناحرة المتحالف بعضها مع الأعداء أن تنتهي .
وبسقوط إشبيلية تزعزعت باقى المُدُن والحصون، وأصبحت غرناطة ومالقة وجيان وقرطبة وإشبيلية والمرية تحت حكم المرابطين فى وقت لم يتجاوز ثمانية عشر شهرًا.

ولما سقطتْ المرية بيد داود ابن عائشة، هذا القائد المجاهد المرابط فى سبيل الله، المنصور بإسلامه ودينه وصفاء عقيدته وحفظه للعهود، واصل سيره الموفق مع جنوده البواسل, وافتتح مرابيطر وبلنسية وشنتمرية، ولم تغن أمراءهم معاونة الكمبيادور وفرسانه، فبلنسية كان بها يحيى بن ذى النون «القادر»، وعلى الرغم من أنه كان منضويًا تحت حماية ملك قشتالة، وقد خفت لإنجاده فرقة كبيرة منهم، وقوة من المرتزقة المسلمِين من مرسية بقيادة ابن طاهر على الرغم من كل هذا سقطت بلنسية بيد المرابطين أصحاب الأيادى المتوضئة، والقلوب الطاهرة، والضربات الفتاكة لكل جبار عنيد.

واستمرَّ داود ابن عائشة فى فتح حصون وقلاع مُدُن شرق إسبانية تحفُّه العناية الإلهية، وتنزل عليه الفتوحات الربَّانية, ويخط للمغاربة وللأمة الإسلاميَّة تاريخًا مجيدًا باقيًا على مر العصور والأزمان، واضحة معالم العقيدة والإيمان فى نحته وكتبه بماء الذهب الصافي.
أمَّا القائد الربَّانى والفارس الميدانى سير بن أبى بكر فكان جهاده الميمون فى غرب الأَنْدَلُس؛ حيث زحف إلى بطليوس وأميرها يومئذٍ مُحَمَّد بن الأفطس «المُتَوَكِّل» بعد أن فتح إشبيلية كما سلف، فاستولى على شلب ويابرة, ثم احتلَّ بطليوس فى صفر 487هـ - آذار (مارس) 1094م.

وفى الوقت الذى سقطت فيه بطليوس، استطاع المرابطون أن يفتحوا جزر البليار، التى كان واليها يومئذٍ من بنى شهيد أتباع أمراء بلنسية ودانية، وأحسن المرابطون صنعًا بفتح الجزر الشرقية «بليار» فى الوقت الملائم، فقد كانت منعزلة تعيش تحت هيمنة الأسطول النصراني، وقد تم الفتح على يد القائد البحرى ابن تافرطست.
بذلك أصبحت إسبانيا المسلمة تحت قبضة دولة المرابطين الفتية سنة487هـ /1094م، ونستثنى من ذلك ولاية سَرْقُسْطَة التى كان واليها أحمد بن هود «المستعين بالله» الذى أبلى بلاءً حسنًا فى جهاد النصارى, وظهرت فيه شهامة ورجولة أقنعت الأمير يوسف على إبقائه فى مُلكِه، وتحالف ابن هود مع إخوانه فى العقيدة ضدَّ أعدائهم فى الدِّين، وكان سدًا منيعًا فى الثغور الشمالية وقد كلف النصارى خسائر هائلة فى الأموال والأرواح.

واستطاع النصارى أن يحتلُّوا مدينة «بلنسية» عام 487هـ بقيادة القائد النصرانى الكمبيادور الذى أمن قاضيها «ابن جحاف» ثم أحرقه بالنار، وعمل المرابطون على إرجاع بلنسية والحصون التى وقعت فى يد النصارى، وتمكَّنوا من تحرير بلنسية عام 495هـ.
العبور الرابع للأمير يوسف فى الأندلس


لما أصبحت إسبانيا المسلمة تحت حكم المرابطين بما فى ذلك سَرْقُسْطَة التى حكمها بنو هود، عبر أبو يعقوب يوسف بن تاشفين العبور الرابع سنة 496هـ/ 1103م بعد استرداد بلنسية بعام واحد، يبتغى تنظيم شئونها، وليطلع على حسن سير الإدارة، ودعا القادة والولاة وزعماء الأَنْدَلُس، وشيوخ القبائل المغربية التى تدين بالطاعة له إلى الاجتماع فى قرطبة، وعيَّن ولده الأصغر عليًًّا «أبا الحسن» وليًّا للعهد؛ فقد ظهرت مواهبه ونجابته ورجاحة عقله ولمس والده فيه الخصال اللازمة لحكم شعوب وأمم كثيرة .

نص ولاية العهد للأمير على بن يوسف :

عهد الأمير يوسف إلى كاتبه الفقيه أبى مُحَمَّد بن عبد الغفور أن يكتب نص ولاية العهد وكان مشهورًا ببلاغته، وهذا هو النص: «الحمد لله الذى رحم عباده بالاستخلاف، وجعل الإمامة سبب الائتلاف، وصلى الله على سيدنا مُحَمَّد نبيه الكريم الذى ألف القلوب المتنافرة، وأذل لتواضعه عزة الملوك الجبابرة.

أما بعد: فإن أمير المُسْلِمِين وناصر الدِّين أبا يعقوب بن تاشفين لما استرعاه على كثير من عباده المؤمنين، خاف أن يسأله الله غدًا عما استرعاه كيف تركه هملاً لم يستنب فيه سواه، وقد أمر الله بالوصية فيما دون هذه العظمة، وجعلها من آكد الأشياء الكريمة، كيف فى هذه الأمور العائدة فى المصلحة الخاصة والجمهور، وإن أمير المُسْلِمِين بما لزمه من هذه الوظيفة وحضه الله بها من النظر فى الأمور الدِّينية الشريفة، قد أعزّ الله رماحه وأحد سلاحه، فوجد ابنه الأمير الأجل أبا الحسن أكثرها ارتياحًا إلى المعالى واهتزازًا، وأكرمها سجية وأنفسها اعتزازًا، فاستنابه فيما استرعي، ودعاه لما كان إليه ودعا، بعد استشارة أهل الرأى على القرب والنأي، فرضوه لما رضيه، واصطفوه لما اصطفاه، ورأوه أهلاً أن يسترعى فيما استرعاه، فأحضره مشترطًا عليه الشروط الجامعة بينهما وبين المشروط قبل، وأجاب حين دُعي، بعد استخارة الله الذى بيده الخيرة والاستعانة بحول الله الذى من آمن به شكره، وبعد ذلك مواعظ ووصية بلغت النصيحة مرامى قصية، يقول فى ختامه شروطها وتوثيق ربوطها، كتب شهادته على النائب والمستنيب من رضى إمامتها على البعيد والقريب، وعلم علمًا يقينًا بما وصاه فى هذا الترتيب وذلك فى عام 495هـ / 1101م .
- وأوصى يوسف بن تاشفين ابنه عليًّا بما يلي:

ألا يُعَيّن فى مناصب الحُكَّام والقضاة فى الولايات والحصون والمُدُن إلا المرابطين من قبيلة لمتونة.
وأن يحتفظ فى الأَنْدَلُس بجيش دائم حسن الأجر من المرابطين، قوامه سبعة عشر ألف فارس، يطعمون على حساب الدولة يوزعون كما يأتي: أربعة ألاف فى ولاية سَرْقُسْطَة، وسبعة آلاف فى إشبيلية، وثلاثة آلاف فى غرناطة، وألف فى قرطبة، والباقى قدره ألفان يحتلون قلاع الحصون كحامية، ويحسن أن يعهد إلى مسلمى الأَنْدَلُس بحراسة الحدود النصرانية ومحاربة النصارى، فهم لهم معرفة أوسع وخبرة أكبر على مقاتلة النصارى من المغاربة، وأن يعمل على تشجيع الأَنْدَلُسيين على روح الجهاد وأن يكافئ المتفوقين فى الحرب منهم بالخيل والسلاح والثياب والمال.

ونصح أبو يعقوب ابنه أن يعامل أهل الأَنْدَلُس وخصوصًا قرطبة بالرفق واللين، وأن يقوى علاقته الأخوية مع بنى هود الذين هم طليعة الأَنْدَلُسيين فى محاربة النصارى.
ولما انتهى يوسف بن تاشفين من تنظيم شئون الأَنْدَلُس وقسمها إلى ست ولايات هى إشبيلية، غرناطة، قرطبة، بلنسية، مرسية، وسَرْقُسْطَة، عاد ابن تاشفين إلى مراكش.

- لقد مرت سياسة المرابطين فى الأندلس بمراحل ثلاث

1- مرحلة التدخل من أجل الجهاد وإنقاذ المُسْلِمِين، وقد انتهت بانسحاب المرابطين بمجرد انتصار الزِّلاقَة.
2- مرحلة الحذر من ملوك الطوائف، بعد أن ظل وضعهم وضع التنافر والتحاسد والتباعد، ولم يفكروا فى الاندماج فى دولة واحدة، بل فضل بعضهم التقرب إلى الأعداء للكيد ببعضهم.
3- مرحلة ضم الأَنْدَلُس إلى المغرب، فوضعوا حدا لمهزلة ملوك الطوائف.

موقف المرابطين من الخلافة العباسية

رأى المرابطون إن مبايعة الخليفة العبَّاسى واجبة، ولذلك أعطوا بيعتهم له لكونهم مالكيين سنيين، فاعترفوا بالخلافة العباسية واتخذوا السواد شعارًا لهم، ونقشوا اسم الخليفة العبَّاسى على نقودهم منذ منتصف القرن الخامس الهجري، وبعد أن بسط الأمير يوسف سيادته على الأَنْدَلُس طلب منه الفقهاء أن تكون ولايته من الخليفة لتجب طاعته على الكافة، ونزولاً عند رغبتهم اتصل بالخليفة العبَّاسى أحمد المستظهر بالله 487-512هـ / 1094م- 1118م وأرسل إليه بعثة من عبد الله بن مُحَمَّد بن العربى الإمام المعروف، وزوَّدها بهدية ثمينة, وبكتاب يذكر فيه ما فتح الله على يده من البلاد فى المغرب والأَنْدَلُس، وما أحرزه من نصر للمسلمين، وعزٍّ للإسلام، ويطلب فى النهاية تقليدًا بولاية البلاد التى بسط نفوذه عليها، وأدَّت البعثة مهمتها بنجاح؛ فتلطَّفت فى القول, وأحسنت الإبلاغ وعادت إلى المغرب بتقليد الخليفة وعهده للأمير يوسف بن تاشفين الذى سُرَّ بذلك سرورًا عظيمًا.

لقد كانت دولة المرابطين من الناحية العملية تستطيع أن تستغنى عن الخلافة العباسية الضعيفة, حيث إن السلطان لا يملك من السلطة إلا اسمه، بل كان الأمير يوسف أكثر قوة منه؛ يملك ويحكم، ولكن حبَّهم لشريعة الإسلام وحرصَهم على تنفيذ أَحكام الله فى أسوأ الظروف جعلهم يتقيدون بذلك.

رد الخلافة العباسية على طلب دولة المرابطين

لاشكَّ أن الخلافة العباسية دخلها سرور عظيم, وكسبت مكسبًا معنويًا كبيرًا لقد استطاعت دولة المرابطين أن تكون سندًا قويًا معنويًا للخلافة العباسية السُّنيَّة, وبذلك تكون نفَّذت أوامر ربها, واسترشدت بتوجيهات نبيها، فأصابها بركة ذلك من سمعتها العالمية فى ديار المُسْلِمِين، وأصبحت جزءًا من الخلافة العباسية التى اكتفت منها بالطاعة المعنوية، وبذلك تحصل أمراء المرابطين من اعتراف الخلافة العباسية بدولتهم, حيث إن المرابطين كانوا يعتقدون اعتقادًا راسخًا أنه لن يعتبر ملكهم مشروعًا إلا إذا باركته الإمامة القرشية العباسية.

واختلف المؤرِّخون فى زمن اتصال المرابطين بالخلافة العباسية: فابن الأثير يقول: إن أول اتصال بين المرابطين والعبَّاسيين قد حدث عقب انتصار الزِّلاقَة, واستيلاء يوسف على الأَنْدَلُس, ويتفق مع ابن الأثير فى هذا الرأى كلٌّ من ابن خلدون, والقلقشندي, والذهبي .
وأنا أميل إلى أن اتصال المرابطين كان قبل ذلك بكثير حيث إن واضع الخطوط العريضة لدولة المرابطين الفقيه «أبو عمران الفاسى القيرواني» مِن أتباع العباسية, وكلُّ الفقهاء الذين من مدرسته سُنيُّون مالكيُّون، وبذلك يكون زعماء المرابطين ساروا على نفس التعاليم السُّنيَّة المالكية.

ونجد أن نقود المرابطين قد نقش عليها أسماء الخلفاء العبَّاسيين منذ عام 450هـ، أى منذ عهد الأمير أبى بكر بن عمران، وظلَّ اسم الخليفة العبَّاسى يذكر مقرونًا باسم أبى بكر بن عمران إلى أن توفى فى عام 480هـ، وخلفه يوسف بن تاشفين فذكر اسمه على السكة مع اسم الخليفة العبَّاسي، وهذا يدل على صلة المرابطين بالعبَّاسيين قبل الزِّلاقَة، ولا شكَّ أن كتابة اسم الخليفة على عملة المرابطين تم بعد اتصالهم بالخليفة العبَّاسي، وبعد أن تلقَّوا منه إجابة بقبول طاعتهم, وتقليدًا بولايتهم .

علاقة الأمير يوسف مع بنى حماد

حرص الأمير يوسف على علاقة حسن الجوار مع دولة بنى حَمَّاد الصنهاجية التى تقع فى شرق دولة المرابطين، وكان الحَمَّاديون يتحينون الفرصة لضم أطراف من مملكة المرابطين، وتمَّ لهم ذلك عندما عبر الأمير يوسف الأَنْدَلُس عام 479هـ، فتحالفوا مع عرب بنى هلال؛ وغزوا المغرب الأوسط ؛وعادوا إلى بلادهم محملين بالغنائم، وسكت يوسف عن الانتقام منهم, وصالحهم، ولم يرغب فى الدخول فى حرب معهم مع وجود أسبابها حقنًا لدماء المُسْلِمِين وحفظًا لشوكتهم وقوتهم.

وعندما تُوفى الناصر بن علناس الحَمَّادى فى عام 481هـ, بعث الأمير يوسف بكتاب تعزية إلى ولده وخليفته المنصور، مما يدل على نيَّات يوسف السلمية تجاه بنى حَمَّاد، واستمرَّت حالة السلم بين الفريقين أكثر من عشر سنوات, ثم نشب خلاف بين والى تلمسان المرابطى تاشفين بن تنغمير وحُكَّام بنى حَمَّاد, فهاجم الأمير تاشفين بدون إذن من الأمير يوسف، واشتدَّ الصِّراع بين الطرفين, وتدخل الأمير يوسف واستطاع بحكمته وسياسته أن يحقن دماء المُسْلِمِين، وعزل حاكم تلمسان تاشفين وعيَّن مكانه الأمير مزدلي، وبعد أن ضم الأمير يوسف الأَنْدَلُس أضحت مملكة بجاية ملاذًا للفارِّين من الأَنْدَلُس، ومع ذلك لم يحرك الأمير يوسف ساكنًا تجاه عمل بنى حَمَّاد, وبقى الأمر كذلك حتى وفاته .

لقد كان للتوجه السنى فى دولة الحَمَّاديين أثر فى تخفيف الصراع مع المرابطين، كما إن لصلة القرابة الصنهاجية سببًا آخر، وإلا ما كانت تستطيع دولة الحَمَّاديين أن تقاوم جيوش المرابطين الفتية، وفى نظرى إن بقاء دولة الحَمَّاديين كانت من الأسباب التى أضعفت الدولة الزيرية والصنهاجية، وسببت توترًا وارتباكًا لدولة المرابطين، ولو ضمت لدولة المرابطين لكان أفيد للإسلام والمُسْلِمِين وللمغرب الأوسط والأقصى.

علاقة المرابطين مع ملوك الطوائف

مرَّت علاقة المرابطين مع ملوك الطوائف بمراحل متعددة، وهي:
المسالمة، التحالف، القتال.

مرحلة المسالمة

لمَّا وصلت دولة المرابطين ذروة قوتها وحطت بجيوشها وأساطيلها على سهل البحر المتوسط ارتعد ملوك الطوائف، وأصابهم الخوف وركبهم الهمُّ، وأصبحوا بين قبضتين قويتين: بين النصارى الذين يمكن مداراتهم بالأموال والتنازل عن بعض الحصون, وبين المرابطين الذى عرفوا بجهادهم واستعلائهم على متاع الدنيا، وحبِّهم للشهادة, ورفع المظالم عن العباد، وقد وصلهم ظلم ملوك الأَنْدَلُس، وقد اشتهر جنود المرابطين بصيت عظيم فى تحقيق النصر فى المعارك، وبأس شديد فى القتال مما أدخل الرعب فى قلوب ملوك الطوائف، فعقدوا اجتماعًا للتشاور فى أمر الخطر القادم من الجنوب، واستقرَّ رأيهم أن يكتبوا للأمير يوسف يسألونه الإعراض عنهم, وأنَّهم تحت طاعته، وهذا نص الكتاب:

«أما بعد, فإنَّك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم, ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبنا فاختر لنفسك أكرم نسبتك، فإنَّك بالمحل الذى لا يجب أن تُسبَق فيه إلى مكرمة، وإن فى استبقائك ذوى البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت والسلام».
وأرسلوا مع حامل الكتاب هدايا وتحفًا نفيسة.
وبعد أن تشاور الأمير يوسف مع مستشاريه رأى إن يسالمهم ويرضى بما قدَّموا له من طاعة, وردَّ عليهم بهذا الكتاب جاء فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية من سالمكم وسلم عليكم, وحكمه التأييد والنصر فيما حكم عليكم، وإنَّكم مما فى أيديكم من الملك فى أوسع إباحة مخصوصين منا أكرم إيثار وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم, واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولى التوفيق لنا ولكم والسلام».

وقد قرن الأمير يوسف الكتاب بالتحف وبدرق اللمط التى لا توجد إلا فى ديار المرابطين، ولما وصل كتابه إلى ملوك الطوائف فرحوا بذلك، وتقوَّت نفوسهم على قتال الإسبان، وأحب أهل الأَنْدَلُس دولة المرابطين حُكَّامهم ومحكوميهم .

مرحلة التحالف

وبعد سقوط طُلَيْطِلَة فى يد الإسبان النصارى عام478هـ اضطرَّ ملوك الطوائف أن يطلبوا النجدة من الأمير يوسف الذى لبى نداءهم، وكان سببًا فى إيقاف زحف النصارى على ممالك الأَنْدَلُس، وانتصر على ألفونسو فى معركة الزِّلاقَة المشهورة.
وبعد أن احتك الأمير يوسف بملوك الطوائف, ووقف على خيانتهم وتحالفهم مع النصارى, واتصالهم بأعداء المُسْلِمِين انتقلت العلاقة من التحالف إلى العداوة.

مرحلة العداوة:

حيث استعرتْ نار الحرب بين المرابطين وملوك الطوائف انتهت بضم كل ممالك الأَنْدَلُس لدولة المرابطين إلا سَرْقُسْطَة التى حكمها أحمد بن هود, والذى كان كالشوكة فى حلق النصارى، فقد قاومهم زمنًا طويلاً، وتراجع النصارى أمام صمود بنى هود البطولي، وأظهر بنو هود مقدرة فائقة على قتال النصارى مما جعل المرابطين يحترمونهم، وتوطَّدت العلاقة الوديَّة بين الأمير يوسف والأمير أحمد بن هود الذى كان وفيًا فى عهوده, ومخلصًا فى جهاده, وحريصًا على أمَّتِه، ورضى المرابطون ببقاء أحمد بن هود حاكمًا تابعًا لهم, بذلك أصبحت الأَنْدَلُس ولاية تابعة لدولة المرابطين، وتوارت العناصر والزعامات الهزيلة وانهار سلطان العصبيات الطائفية .

نظم الحكم والإدارة فى دولة المرابطين



أولا: النظام الإدارى:
نظام إمارة المسلمين

لقد كان نظام الشورى هو الأساس الذى اعتمده المرابطون فى نظام حكمهم فى بداية دولة المرابطين قبل يوسف بن تاشفين، فقد كان المرابطون يختارون بكامل الحرية رئيسهم الذى يتم تعيينه بعد عقد مجلس من زعماء القبائل والولاة والعلماء والفقهاء يشارك فيه شيوخ المرابطين وأعيانهم، بهذه الطريقة تم اختيار عبد الله بن ياسين، الذى لم يحرص على استمرار الإمارة فى أسرته، كما أنه لم يباشر أى ضغط على المرابطين فى اختيار يحيى بن عمر ثم أبى بكر بن عمر، بل كانت وصيته الأخيرة للمرابطين قوله: «إياكم والمخالفة والتحاسد على الرياسة، فإن الله يؤتى ملكه من يشاء، ويستخلف فى أرضه من أحب من عباده، ولقد ذهبت عنكم فانظروا من تقدمونه منكم، يقوم بأمركم ويقود جيوشكم، ويغزو عدوكم، ويقسم بينكم فيئكم، ويأخذ زكاتكم وأعشاركم».

ومن هذه الوصية يتبين أن الزعيم الأول للمرابطين، لم يكن يرى طريقة الحكم الوراثي، أما يوسف بن تاشفين فقد كان يخشى أن يعود الأمر فوضى بعده وأن تنفصم عرى هذه الوحدة، وتنتهى هذه الدعوة التى عمل جاهدًا على تبيلغها زهاء نصف قرن، لذلك رأى يوسف أن يُعَيّن واليًا للعهد يستخلفه بعد موته, وهكذا حدث انحراف فى اختيار الحاكم عند المرابطين من الشورى إلى النظام الوراثى منذ أن اختار يوسف بن تاشفين ابنه عليًا واليًا لولاية العهد، وكان اجتهاد يوسف بن تاشفين فى هذا التعديل الخطير يعتمد على رأيه أن اجتهاده ذلك يحفظ وحدة بلاده ودولته، ويقضى على التنافس من أجل الحكم ورأى مصلحة بلاده وشعبه تقتضى اختيار ابنه.

وفاة الأمير يوسف

ثم عاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب، حيث مرض مرضه الأخير الذى استمرَّ زهاء عامين وشهرين، وانتهى بوفاته عن مائة عام حافلة بالجهاد والدعوة وإعزاز دين الله، وكانت سنة وفاته 500 هـ / 2 سبتمبر 1106م وكان ولى العهد يقوم أثناء مرض أبيه بتصريف أمور الحكم نيابة عن أبيه، ونجح نجاحًا كبيرًا فى إدارة دفَّة الحكم لدولة المرابطين, وكانت آخر وصية من يوسف لابنه فى مستهلِّ سنة 500هـ، أن أوصى ولده وولى عهده بعده أبا الحسن عليًّا بثلاث وصايا أولها: «ألا يهيج أهل جبل درن ومَن وراءه من المصامدة وأهل القبلة» والثانية: «أن يهادن بنى هود بالأَنْدَلُس, وأن يتركهم حائلين بينه وبين الروم» والثالثة: «يقبل مِمَّن أحسن من أهل قرطبة ويتجاوز عن مسيئهم» .

لقب أمير المسلمين

كان زعماء المرابطين يطلقون على أنفسهم لقب الأمراء، وظل المرابطون يطلقون لقب الأمير على كل زعيم يتولى أمرهم ابتداءً من عهد أمير لمتونة أبى زكريا يحيى بن عمر اللمتوني .
ويرى بعض المؤرخين من أمثال أبى زرع فى «روض القرطاس» إلى أن الأمير يوسف تلقَّب بأمير المُسْلِمِين فى يوم الزِّلاقَة، ولم يكن يُدعى به من قبل، وأن ملوك وأمراء الأَنْدَلُس وكانوا ثلاثة عشر ملكًا بايعوه وسلَّموا عليه باسم أمير المُسْلِمِين وهو أول من سُمى به من ملوك المغرب.

وقد تأثَّر شعب النيجر بشكل خاص بالمرابطين, وأطلق على حُكَّامه لقب أمير المُسْلِمِين, وكانوا مالكيين فى المذهب, ويرجع ذلك إلى أن المرابطين هم الذين نشروا الإسلام فى تلك الربوع النائية .

نائب الأمير

كان اتساع مملكة المرابطين سببًا فى اتخاذ نوَّاب ينوبون عن أمير المسلمين؛ حيث كان من المستحيل عليه أن يشرف وحده على تلك الدول المترامية الأطراف، فعيَّن بعض النواب المقرَّبين إليه، فعيَّن نائبًا على شئون الأَنْدَلُس ونوَّابًا على إقليم المغرب، وكان يراعى فى اختيار النائب أن يكون أقرب الناس إلى أمير المُسْلِمِين، وأن يتوفر فيه حسن الإدارة والكفاية العسكرية ويعتبر ممثلاً أوليًا لأمير المُسْلِمِين, ويستمد نائب الأمير سلطته من الأمير شخصيًا، وكان ولى العهد نائبًا للأمير، وتولى نيابة الأَنْدَلُس، وكانت قرطبة هى المفضلة لإقامة ولى العهد لمكانتها السامية فى نفوس الأَنْدَلُسيين، وأول نائب عيَّنه الأمير يوسف على الأَنْدَلُس القائد سير بن أبى بكر اللمتوني، ثم بدَّل به ابنه أبا الطاهر تميم بن يوسف، وتلى نيابة الأَنْدَلُس من حيث الأهمية نيابة فاس بالمغرب, وكان النائب يستقر فيها عندما كان الأمير يوسف يعود إلى مراكش كى لا تحدث ازدواجية فى السلطة .

كانت مهمة النائب بالدرجة الأولى عسكرية, إذ كان عليه أن يخوض الحروب, ويقمع الفتن وحركات التمرد, يعاونه قادة كبار من لمتونة .
وكان من سياسة يوسف بن تاشفين مع نوابه مراقبتهم, ولا يتيح لهم الاستقرار فى مناصبهم لعهود طويلة حتى لا يعملوا على الاستقلال، فكان النوَّاب دائمًا معرَّضين للنقل من ولاية إلى أخرى.

تولية الولاة

كان الأمير يوسف يُعَيِّن الولاة على الأقاليم من لمتونة بشكل خاص وصنهاجة بشكل عام؛ فولَّى أمراء قومه الأقاليم، فقبْل ضم الأَنْدَلُس كان سير بن أبى بكر على مدائن مكناسة وبلاد مكلالة وبلاد فازاز، وولَّى عمر بن سليمان المسوفى مدينة فاس وأحوازها، وداود ابن عائشة سجلماسة ودرعة، وتميم بن يوسف مدينة أغمات ومراكش وبلاد السوس وسائر بلاد المصامدة وتدلا وتامسنا, وبعد ضم الأَنْدَلُس عين يوسف بن تاشفين القائد سير بن أبى بكر حاكمًا على الأَنْدَلُس، وفوَّض له تعيين والٍ على كل بلد يفتحه ويكون من لمتونة.
وكان الولاة يخضعون مباشرة لنائب الأمير، ومُنح الأمير يوسف سلطات واسعة: منها حق التصرف فى عزل وتعيين مَن دونهم مِن الولاة المحليين، ومَن يليهم مِن رجال السلطة، وكذلك القيام بتحركات عسكرية داخل مناطق نفوذهم، وكان الأمير يوسف وابنه من بعده يراقبون ولاتهم مراقبة شديدة، ويجرى تبديلهم وعزلهم إذا أساءوا، وكانوا يضعون مصالح الرعية فى المقام الأول عند تعيين الولاة .

نظام الوزارة

كان الأمير يوسف بعيدًا كل البعد عن اتخاذ الألقاب والألفاظ والاهتمام بالمناصب، فلم يتخذ وزراء بالمعنى المتعارف عليه، ولم يمنح لقب وزير لأى شخص, إلا أنه اتخذ لنفسه أعوانًا يرجع إلى مشورتهم، وكُتَّابًا يشرفون على ديوان الرسائل أو الإنشاء، وكانت لديه هيئة استشارية تشترك فيها طائفة من الفقهاء، والأعيان والكُتَّاب يلازمونه فى قصره وتنقلاته يبدون آراءهم فى المشاكل المطروحة للبحث, وتبقى الكلمة الفاصلة للأمير، أمَّا فى الأمور المهمة فكان يجمع زعماء المرابطين وأبناء عمومته من لمتونة للتداول واتخاذ الآراء، وكان الاتصال بالأمير عن طريق الأعوان من السهولة بمكان، وساعد على ذلك ما امتاز به الأمير من زُهد فى الدنيا, وتطلع للآخرة, وحب البساطة، وميل للتواضع.

ديوان الرسائل والمكاتبات عند المرابطين

كان المرابطون يهتمون بديوان الإنشاء، ولذلك حرصوا على أن يتولاه رجال من أشهر الأدباء فى تلك الفترة جلهم أَنْدَلُسيون، واهتم الأمير يوسف بجلب الأدباء والبلغاء والفقهاء لهذه الأعمال، واستفاد من كُتَّاب ملوك الطوائف, وتوسع ديوان الرسائل مع امتداد رقعة دولة المرابطين، وانتفع المرابطون انتفاعًا عظيمًا بخبرة الأَنْدَلُسيين أصحاب الحضارة والأدب، وأقبل المغاربة على ثقافة الأَنْدَلُس ينهلون منها فى تواضع المستفيدين, وحدث تنافس بين الكُتَّاب، وحاولوا أن يثبتوا جدارتهم فى هذا الفن، وأصبح ديوان الأمير يوسف متألقًا بالحضارة.

وقام ابنه على بتطوير ديوان الرسائل وجلب له كتابًا فى غاية البلاغة ودقة الأسلوب, وجمال التعبير, ومما دفع الأمير عليًا إلى تطوير دولته تربيته الرفيعة وذكاؤه الوقَّاد, واهتمامه بكتاب ملوك الطوائف, وتقريبهم إليه فى زمانه، فشعر بحاجته إلى طائفة مثقفة تفهم لغة الوفود، وتجيد فنون الكتابة، ومِن أشهر أولئك الكتاب والأدباء والبلغاء، مُحَمَّد بن سليمان الكلاعى المتوفى عام 508هـ, وصفه ابن خاقان فى «القلائد» بقوله: «غرة فى جبين الملك، ودرَّة لا تصلح إلا لذلك السلك، باهت به الأيام, وتاهت فى يمينه الأقلام، واشتملت عليه الدول اشتمال الكمام على النور، وانسربت إليه أمانى انسراب الماء على الغور».

وكذلك انضم إلى البلاط المرابطى أبو مُحَمَّد عبد المجيد بن عبدون المُتَوَفَّى 520هـ، وأبو القاسم مُحَمَّد بن عبد الله بن الجد الفهرى المتوفى فى عام 515هـ، وابن أبى الخصال الغافقى المُتَوَفَّى 540هـ، وأبو زكريا بن مُحَمَّد بن يوسف الأنصارى الغرناطى المُتَوَفَّى 570هـ فى غرناطة، وأحمد بن أبى جعفر بن مُحَمَّد بن عطية القضاعى الذى نكبه عبد المؤمن بن على خليفة الموحِّدين، وغير هؤلاء كثير من الأدباء والكتَّاب الذين عملوا فى خدمة دولة المرابطين زمن أمير المُسْلِمِين على بن يوسف.

النظام القضائى فى دولة المرابطين

تمهيد:

للقضاء مكانة عظيمة ومنزلة شريفة، وفاصل بين النَّاس فى خصوماتهم وحاسم للتداعى وقاطع للتنازع .
واهتمَّت كلُّ الدول التابعة للخلافة بتطوير نظامها القضائى وخصوصًا المرابطين الذين حرصوا على إقامة العدل ونشره فى ربوع بلادهم، فكان لمنصب القضاة أهمية كبيرة، ولذلك حرص أمراء المرابطين على تعيين القضاة مِمَّن برزوا فى العلم والفقه وتميزوا بالمقدرة على تولى هذه المناصب فى دولتهم دون الاستناد على العصبية القبلية، حتى أصبح أكثر القضاة من غير قبيلة صنهاجة وهى سياسة حكيمة اتبعها الأمير يوسف رغبة فى تحقيق العدالة وتطبيق تعاليم الإسلام.

وقد منحهم رتبة عالية فى الدولة حتى كثرت أموالهم، واتسعت مكاسبهم، وكانوا يستمدون نفوذهم من سلطة الدولة نفسها، يحكمون وفق المذهب المالكي، ويقوم بتنفيذ أحكامهم الولاة والحُكَّام المحليون، وقد شارك القضاة فى معارك الجهاد فىالأَنْدَلُس، واستشهد بعضهم فى معركة الزِّلاقَة منهم القاضى عبد الملك المصمودى قاضى مراكش .

وكانت السُّلطَة القضائية تتمتع باستقلال كبير عن السُّلطَة التنفيذية، وكان تعيين القاضى يصدر بمرسوم عن أمير المسلمين، وكذلك عزله، وكان لأهل البلدان التابعة لدولة المرابطين حق الترشيح لمَن يرونه مناسبًا لمنصب القضاء فى بلدهم.
وإذا أراد أمير المسلمين عزل قاضٍ فى بلد معين فعليه أن يوضح الأسباب لأهل ذلك البلد.

- منصب قاضى الجماعة فى الأندلس
يعتبر منصب قاضى الجماعة من أرفع المناصب القضائية فى الأَنْدَلُس، كان صاحبه يشرف على القضاء فى جميع أنحاء الأَنْدَلُس.
ومن أشهر مَن تولَّى منصب قضاء الجماعة فى الأَنْدَلُس فى عصر على بن يوسف أبو الوليد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحمد بن رشد المالكى وأبو عبد الله مُحَمَّد بن أحمد بن خلف إبراهيم التجيبى المعروف بابن الحاج .
- قاضى الجماعة فى المغرب
كانت رئاسة القضاء فى المغرب فى زمن دولة المرابطين تسند إلى قاضى الجماعة بمراكش، الذى كان يُسمى بقاضى قضاة المغرب أو بقاضى الحضرة، وكان على من يتولَّى هذا المنصب أن يكون مِن المقربين إلى قلب أمير المسلمين يستفتيه فى كل ما يعرض له من شئون، ومن أشهر مَن تولَّى هذا المنصب: أبو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن قاسم بن منصور اللخمي، وأبو الحسن على بن عبد الرحمن المعروف بابن أبى حقون، وأبو سعيد خلوف بن خلف الله.
- مجلس الشورى القضائي
كان للقاضى فى صحبته مجموعة من فقهاء البلد الذى تولَّى قضاءه ليشاورهم قبل أن يصدر الأحكام، وكان قاضى المدينة يتولى اختيار هؤلاء الفقهاء من أهل مدينته، مِمَّن يُعرفون بالورع والتقوى والتبحر فى الفقه والعلوم الدينية، ويحدد ابن عبدون هؤلاء الفقهاء والمشاورين بأربعة: اثنين يشتركان فى مجلس القاضي، واثنين يقعدان فى المسجد الجامع .
- قضاء الذميين فى دولة المرابطين
أما بالنسبة لأهل الذِّمة فى الأَنْدَلُس، فقد كان رجال الدين النصارى واليهود يتولون القضاء لهم، دون أن يتدخل فيهم قضاة المسلمين، أجاز الفقهاء تقليد الذِّمى القضاء لأهل الذِّمة، وفى الأَنْدَلُس خصص المسلمون لأهل الذِّمة قاضيًا يعرف بقاضى النصارى أو قاضى العجم، أما إذا كانت الخصومة بين ذمى ومسلم فإن قضاة المسلمين يتولون الفصل بينهما.

النظام المالى فى عصر المرابطين

حرص المرابطون فى دولتهم على إسقاط الضرائب غير المشروعة عن كاهل شعوبهم التى فرضها الزناتيون فى المغرب وملوك الطوائف فى الأَنْدَلُس، وكذلك المكوس والرسوم والضرائب فى جبل طارق، ولم يفرض المرابطون فى دولتهم رسم مكس أو معونة خراج لا فى حاضرة ولا فى بادية، واتبعوا نظامًا ماليًا يقوم على قواعد الإسلام، وكان هذا النظام ظاهر المعالم فى زمن الأمير يوسف بن تاشفين الذى التزم بالكتاب والسنة فى جمع الأموال وتوزيعها، فاعتمد على الزكاة والعشر والجزية وأخماس الغنائم، وجبي بذلك مِن الأموال على الوجه الشرعى ما لم يجبه أحد، وترك فى خزائنه مبلغ ثلاثة عشر ألف ربع مِن الورق، وخمسًا وأربعين ألفًا من دنانير الذهب وأمَّا فى عصر على بن يوسف فاختلف الأمر, وفرض الضرائب على بعض السلع، وفرض ضريبة جديدة على مدن الأَنْدَلُس الهامة، وكان يُخصِّص دخلها لإقامة أسوار جديدة وترميم الأسوار القديمة، وكان سبب فرض هذه الضريبة دخول ألفونسو المحارب للأَنْدَلُس غازيًا عام 519هـ؛ فاضطرَّ لتحصين المدن وترميم الأسوار وتقوية الجيوش؛ ففرض ضرائب تساعده فى تسديد هذه النفقات التى لا غنى عنها.

كانت العملة الرئيسية لدولة المرابطين هى الدينار الذهبى الذى كان عماد الاقتصاد فى الدولة, وظلَّت هذه العملة المرابطية الذهبية مستخدمة لعدة قرون، حتى بعد سقوط الدولة المرابطية، كما استخدمت العملة الفضية المعروفة بالدرهم الفضي، لتسهيل المعاملات التجارية.
وانتشرت دور سك العملة فى مختلف أجزاء الدولة فى المغرب أو فى الأَنْدَلُس مثل أغمات, تلمسان، سجلماسة، فاس، مراكش، سبتة، مكناسة، طنجة، شاطبة، إشبيلية، دانية، غرناطة، قرطبة، مالقة، مرسية، سرقسطة، وغيرها.

الآثار المعمارية فى المغرب والأندلس


إن دولة المرابطين تركت آثارًا معمارية بارزة ظلَّت باقية على مرِّ الدهور وكرِّ العصور لترشد الأجيال المتعاقبة على سموِّ حضارة المرابطين المعمارية، ومن أعظم هذه الآثار على الإطلاق:

- جامع القرويين

من أهم المساجد الجامعة فى بلاد المغرب وأكثرها شهرة لكونه جامعة إسلامية عريقة ضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ، وكانت هذه الجامعة تقارع الأزهر الشريف فى العلم وتخريج الدعاة والعلماء الفقهاء ولقد مرَّ جامع القرويين بثلاثة أدوار:
الأول عند تأسيسه سنة 254هـ/859م.
والثانى عند الزيادة فيه سنة 345هـ/956هـ.
والثالث عندما زيدت مساحته فى عصر على بن يوسف سنة 530/1135م وتولَّى مشروع زيادة مسجد القرويين وتوسيعه القاضى أبو عبد الله مُحَمَّد بن داود بسبب ضيق المسجد بالنَّاس, واضطرارهم للصلاة فى الشوارع والأسواق فى يوم الجمعة، وحرص على أن يكون المال من أوقاف مساجد المسلمين، وأشرف القاضى
أبو عبد الله بنفسه على هذا المشروع الحضارى العظيم وكان تمام التوسعة عام 538هـ.
ولقد تخرَّجتْ فى جامع القرويين على مرِّ العصور وكرِّ الدهور أفواج عديدة من فقهاء الأمة وعلماء الملة ودعاة الشريعة والمُجَاهِدين الأبرار والقادة العظام، وكان لمسجد القرويين عند المرابطين مكانة عظيمة فى نفوسهم.
وتذكرُ كتب التاريخ أن منبر جامع القرويين من أجمل منابر الإسلام، وتدل على روعة المغاربة فى اختياراتهم الذوقية الرفيعة.

- المسجد الجامع بتلمسان

وكان مقرًا لنشر علوم الإسلام وتربية المسلمين على معانى القرآن، وتم بناء هذا المسجد عام 530هـ فى إمارة على بن يوسف، وكانت هندسته المعمارية فى غاية الجمال ودقة الإتقان، ورأى بعض المؤرخين إن البنيةَ المعمارية لمسجد تلمسان فيها لمسات أَنْدَلُسية, وفنون معمارية قرطبية، بل بعضهم يرى أن عرفاء مسجد تلمسان قلَّدوا جامع قرطبة تقليدًا مباشرًا فى لوحتى الرخام اللتين تكسوان إزار واجهة المحراب بتلمسان، وكذلك سقف المسجد الخشبى شبيه بسطح مسجد قرطبة، وكذلك البلاط شبيهٌ به أيضًا.

والذى يظهر أن دولة المرابطين انصهرتْ فى بوتقتها حضارة المغاربة والأَنْدَلُسيين والأفارقة، فتجد تلك المعالم الحضارية المختلفة فى كافة بقاع دولة المرابطين، ولا ينكر تأثير المعالم الحضارية المعمارية الأَنْدَلُسية فى جميع مدن الدولة.

- الآثارُ الحربية

اهتم المرابطون بالحصون والقلاع؛ ولذلك انتشرت فى المدن والثغور.
وزاد الاهتمام بالتحصينات العسكرية فى زمن على بن يوسف, الذى أكثر من الأسوار والقلاع والحصون للدفاع عن دولته فى المغرب ضد الحركات السياسية والثورات العدائية المناهضة لدولة المرابطين، وواصل الأمير على اهتمامه بهذا الأمر كذلك فى الأَنْدَلُس.
ومن أروع آثار المرابطين الحضارية الحربية أسوار مراكش حيث بدأ الأمير على بن يوسف فى بناء سور المدينة عام 520هـ وكمَّل بناء السور عام 522هـ.

وانتشرت فكرة بناء الأسوار فى الأَنْدَلُس، وفرضت الدولة على رعاياها ضريبة تنفق على هذا الهدف الاستراتيجى الجهادى الدفاعي.
ومِن أشهر الأسوار التى بنيت أو أعيد ترميمها فى الأَنْدَلُس، أسوار المرية وأسوار قرطبة التى امتازت بأبراجها المستطيلة الضخمة المتقاربة، وأسوار إشبيلية من جهة نهر الوادى الكبير، وبنى المُرَابطون فى المناطق الوعرة حصونًا بالحجر، وشحنوها بالجنود والأقوات؛ لكى تصمد للحصار مدة طويلة.

ومن أشهر قلاع المرابطين فى الأَنْدَلُس قلعة منتقوط التى تقع على بساتين مرسية، ومِن أشهر قلاع المرابطين فى المغرب قلعة تاسغيموت التى تقع على بعد ثلاثة كيلو مترات جنوب شرق مراكش، وعلى بعد نحو عشرة كيلو مترات شرق أغمات على سطح هضبة أطرافها ذات أجراف وعرة شديدة الانحراف، يصعب على الغازين ارتقاؤها، وأسوارها تمتد على حافة الهضبة نفسها.
إن قلاع المرابطين وحصونهم تدل على أن فنَّ العمارة فى زمانهم تأثر بالغ التأثر بفنِّ العمارة الأَنْدَلُسي.

علوم التاريخ والجغرافيا

ظهر فى عصر المرابطين عدد كبير من أعلام الرواية والكتابة التاريخية نذكر فى مقدمتهم: أبو زكريا بن يحيى بن يوسف الأنصارى الغرناطى المعروف بابن الصيرفى، كان من أعلام عصر على بن يوسف فى البلاغة والأدب والتاريخ، كتب بغرناطة عن الأمير تاشفين بن على بن يوسف أيام أن كان واليًا على الأَنْدَلُس، وألَّف فى تاريخ الأَنْدَلُس فى العصر المرابطى كتابًا سماه «الأنوار الجلية فى تاريخ الدولة المرابطية»، وكتابًا آخر سماه «قصص الأنباء وسياسة لرؤساء», وهما مؤلفان لم يصلا إلينا مع الأسف، ولم يصل إلينا من مؤلفاته الأولى سوى شذور نقلها المتأخرون مثل ابن الخطيب خاصة روايته عن غزوة ألفونسو المحارب للأَنْدَلُس سنة 519هـ/1125م، وقد توفى ابن الصيرفى بغرناطة فى سنة 570هـ، وهناك أيضًا أبو الحسن على بن بسام الشنترينى (ت542هـ) صاحب كتاب «الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة», وهذا الكتاب موسوعة أدبية تاريخية يتضمن تراث القرن الخامس الهجرى/ الحادي عشر الميلادي، وأبو عبد الله مُحَمَّد بن خلف بن الحسن بن إسماعيل الصدفي، ويعرف بابن علقمة, وهو من أهل مدينة بلنسية وله كتاب سمَّاه «البيان الواضح فى الملم الفادح» وتوفى ابن علقمة عام 509هـ/1114م، وأبو طالب عبد الجبار عبد الله ابن أحمد بن أصبغ، وله كتاب يسمى «عيون الإمامة ونواظر السياسة»، وأبو عامر مُحَمَّد بن أحمد بن عامر البلوى المعروف بالسالمي، وقد ألَّف كتابًا فى التاريخ سماه «درر القلائد وغرر الفوائد»، وأبو نصر الفتح بن مُحَمَّد القيسى الإشبيلي، والمعروف بالفتح بن خاقان، ومن تواليفه كتاب «قلائد العقيان فى محاسن الأعيان»، وكتاب «مطمع الأنفس ومسرح التأنس», وكتاب «رواية المحاسن وغاية المحاسن», وأبو القاسم خلف بن عبد الملك ويعرف بابن بشكوال، وكان من أعلام المؤرخين فى عصر المرابطين، وأشهر تواليفه كتابه المعروف «بالصلة»، الذى جعله تتمة لكتاب ابن الفرضى فى تاريخ علماء الأَنْدَلُس، ومن تواليفه أيضًا كتاب «الغوامض والمبهمات» فى اثنى عشر جزءًا، وكتاب «المحاسن والفضائل فى معرفة العلماء الأفاضل» فى واحد وعشرين جزءًا وقد توفى ابن بشكوال فى رمضان 578هـ.

وفى مجال الجغرافية نبغ عدد من كبار جغرافى الأَنْدَلُس والمغرب فى عصر المرابطين نذكر منهم: الشريف أبو عبد الله مُحَمَّد الإدريسي, صاحب كتاب «نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق»، وقد ألَّف الإدريسى لرجار الثَّانِى صاحب صقلية، ولذا يُعرف هذا الكتاب فى كتب الجغرافية العربية باسم الرجاري.
ومن جغرافيى عصر المرابطين عبد الله بن إبراهيم بن وزمر الحجارى صاحب كتاب «المسهب فى غرائب المغرب»، وقد اتخذ بنو سعيد كتابه أساسًا لكتابهم المعروف باسم «المغرب فى حلى المغرب».
علوم الطب

تقدمت العلوم الطبية فى عصر المرابطين تقدمًا يشهد له الأسماء والأعلام التى تألقت فى حضارة الأَنْدَلُس والمغرب، وأشهرها ابن زهر وهو اسم طبيب أَنْدَلُسى من أعظم أطباء الإسلام، مِمَّن تركوا بصماتهم واضحة فى تاريخ الحضارة الإنسانية جمعاء، وينتسب أبو مروان عبد الملك بن زهر إلى أسرة أَنْدَلُسية لمعت فى ميدان الطب والعلوم الطبيعية والكيميائية، عميدها الأكبر هو أبو مروان عبد الملك ابن الفقيه مُحَمَّد بن مروان بن الأزهر الأيادى الإشبيلي.
وكان والده الفقيه محمد بن مروان من جلة الفقهاء المتميزين فى علم الحديث فى إشبيلية، وقد رحل أبو مروان فى شبابه إلى المشرق وسمع فى القيروان ومصر، وتتلمذ على أيدى علماء المشرق فى الطب .

ورجع إلى الأَنْدَلُس، وأصبح من أشهر علماء الطب فيها, وتوفى فى إشبيلية، وورثه فى علم الطب ابنه أبو العلاء الذى تبوأ مكانة عظيمة فى دولة المرابطين، ومن تواليفه «الخواص» وكتابه «الأدوية المفردة» وكتاب «الإيضاح بشواهد الافتضاح» فى الرد على ابن رضوان فيما رده على حنين بن إسحاق فى كتاب المدخل إلى «الطب»، وكتاب «النكت الطبية»، وكتاب «الطرر» ومقالة فى تركيب الأدوية، وتوفى أبو العلاء فى قرطبة 525هـ, وحُمل إلى إشبيلية ودفن بها، وأمر الأمير على بن يوسف بجمع كتبه ونسخها.

وتم ذلك عام 526هـ, وورث ابنه أبو مروان من والده صناعة علوم الطب، ونبغ فى هذا المجال، ولم يكن فى زمانه مَن يماثله أو ينافسه، وكان له حظوة لدى الأمراء المرابطين، فقد صنف للأمير أبى إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين كتابًا سماه «الاقتصاد فى صلاح الأجساد»، ومن تواليفه أيضًا كتاب «التيسير فى المداواة والتدبير» وقد ألفه القاضى أبو الوليد بن رشد وهذا الكتاب يُعد من أعظم مراجع الطب فى العصور الوسطى، وله أيضًا كتاب «الأغذية»، ومقالة فى علل الكلى، ورسالة فى علتى البرص والبهق، وتوفى هذا العالم فى عام 557هـ فى إشبيلية.

ومن الأطباء الذين برعوا فى عصر على بن يوسف: أبو عامر مُحَمَّد بن أحمد بن عامر البلوي، وله فى الطب كتاب سماه «الشفا», وأبو الحسن على بن عبد الرحمن بن سعيد السعدى وغيرهم.
ومما يؤكد اهتمام دولة المرابطين بالطب وجود منصب يعرف برئيس الصناعة الطبية, وهو منصب هام يقابل ما نطلق عليه اليوم اسم وزير الصحة، إذ كان فيما يبدو المسئول الأول أمام الأمير فى صناعة الطب, وما يتعلق بها مِن الأدَويَة والعقاقير.



أسباب سقوط دولة المرابطين


1- ظهور روح الدعة والانغماس فى الملذَّات والشهوات عند حُكَّام المرابطين وأمرائهم فى أواخر عصر على بن يوسف، وكان للمجتمع الأَنْدَلُسى تأثير لا ينكر فى قادة وأمراء وحكام دولة المرابطين الذين استجابوا لنزوات شهواتهم وانغمسوا فى الحياة الدنيا،
والمترفون فى كلِّ أمَّة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال، ويجدون الخدم، ويجدون الراحة، فينعمون والراحة، وبالسيادة حتى تترهل نفوسهم ، وترتع فى الفسق وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغ فى الأرض والحرمات، وهم إذا لم يجدوا مَنْ يَضْرِبُ على أيديهم عاثوا فى الأرض فسادًا، ونشروا الفاحشة فى الأمة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التى لا تعيش الشعوب إلا بها ولها، ومن ثَمَّ تتحلل الأمة وتسترخي، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها فتهلك وتطوى صفحتها.

2- ظهور السفور والاختلاط بين النساء والرجال، وبدأت دولة المرابطين فى آخر عهد الأمير على بن يوسف تفقد طُهرَها وصفاءَها الذى اتصف به جيلهم الأول، مما جعل الرعية المسلمة تتذمر من هذا الانحراف والفساد، وتستجيب لدعوة مُحَمَّد بن تومرت الذى أظهر نفسه للناس بالزاهد والنَّاسك والآمر بالمعروف والناهى عن المنكر.

3- انحراف نظام الحكم عن نظام الشورى إلى الوراثى الذى سبب نزاعًا عنيفًا على منصب ولاية العهد بين أولاد على بن يوسف، كما تطلع مجموعة مِن الأمراء إلى منصب الأمير على ونازعوه فى سلطانه مما سبب تمزقًا داخليًا، ففقدت الدولة المرابطية وحدتها الأولى، وكثرت الجيوب الداخلية فى كيان الدولة، وتفجرت ثورات عنيفة فى قرطبة، وفى فاس وغيرهما ساهمت فى إضعاف الوحدة السياسية وإسقاط هيبة الدولة المرابطية.

4- الضيق الفكرى الذى أصاب فقهاء المرابطين وحجرهم على أفكار النَّاس, ومحاولة إلزامهم بفروع مذهب الإمام مالك وحده، وعملوا على منع بقية المذاهب السنية تعصبًا لمذهبهم، وكان لفقهاء المالكية نفوذ كبير مما جعلهم يوسعون تعصبهم وتحجرهم الفكري.
ويرى بعض المؤرخين أن التعصب الأعمى عند فقهاء المرابطين فى زمنالأمير على ابن يوسف كان السبب الأول فى سقوط دولة المرابطين، لقد أسهم فقهاء المالكية فى دولة المرابطين بقسط وافر فى تذمر الرعايا، وإضعاف شأن الإمارة، لقد استغل بعض الفقهاء نفوذهم من أجل جمع المال ، وامتلاك الأرض، وعاشوا حياة البذخ والرفاهية المفرطة .

5- ومن أهم العوامل التى أسقطت دولة المرابطين: فقدها لكثير من قياداتها وعلمائها العظام أمثال سير بن أبى بكر، ومُحَمَّد بن مزدلي، ومُحَمَّد ابن فاطمة، ومُحَمَّد بن الحاج، وأبى إسحاق بن دانية، وأبى بكر بن واسينو.. فمن لم يستشهد من كبار رجال الدولة أدركه الموت الطبيعي، ولم يستطع ذلك الجيل أن يغرس المبادئ والقيم التى حملها فى الجيل الذى بعده، فاختلفت قدرات الجيل الذى بعدهم واستعداداتهم، وهذا درس مهم لأبناء الحركات الإسلامية فى أهمية توريث التجارب والخبرات المتنوعة والمتعددة للأجيال المتلاحقة.

6- ومن أهم العوامل التى أنهكت دولة المرابطين، أنها مرَّت بأزمة اقتصادية حادة، نتيجة لانحباس المطر عدة سنوات، وحلول الجفاف والقحط بالأَنْدَلُس والمغرب، وزاد من حدة الأزمة الاقتصادية أن أسراب الجراد هاجمت ما بقى مِن الأخضر على وجه البلاد مما هيأ الظروف لانتشار مختلف الأوبئة بين كثير مِن السكان، ووقعت هذه الأزمة فى الفترة الواقعة ما بين أعوام 524هـ-530م.

هيثــــــم
12-14-2009, 12:20 PM
القاهرة.. التاريخ بالكلمة والخريطة والصورة






امتلك المؤرخون المسلمون إدراكا عاليا في تسجيل التاريخ وابتداع مناهج جديدة في عملية التدوين التاريخي، وابتكار أساليب مستحدثة في الكتابة التاريخية، فلم يقف التأريخ عند حركة الدولة، بل اتجه أيضا إلى تدوين حركة المجتمع والحضارة؛ ولذا لم يعرف التدوين التاريخي الإسلامي فترات الانقطاع، وجاءت أحداثه متسلسلة يتبع بعضها بعضا.
التأريخ للمدن

ومن أساليب الكتابة التاريخية التأريخ للمدن الذي بدأ في منتصف القرن الثالث الهجري على يد المؤرخ "الخطيب البغدادي" في كتابه الشهير "تاريخ بغداد"، مع وجود بعض المحاولات السابقة عليه في هذا الشأن ككتاب "تاريخ بغداد" لأحمد بن طيفور، و"تاريخ الموصل" لأبي زكريا يزيد بن محمد بن إياس، إلا أن "تاريخ بغداد" يعد أشهرها حيث سار على نهجه كثير من المؤرخين في التأريخ لمدنهم فظهرت عدة تواريخ لدمشق والقاهرة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس، وحلب، والموصل، وحواضر الأندلس، وتلمسان، وأربيل، وغيرها من المدن الإسلامية.

وكان الطريف في هذا النوع من التأريخ المحلي هو التأريخ لحركة المجتمع، والاهتمام بذكر العلماء والأفذاذ والصالحين والمحدثين أكثر من ذكر رجال الحكم والسلطان، واتسع الإطار المكاني في التأريخ للمدينة الإسلامية ليشمل الأحداث والوافدين عليها؛ وهو ما حفظ لنا كثيرا من طبيعة المجتمعات والأنشطة البشرية في تلك الفترات، حيث كان من المعتاد أن يتكرر ذكر بعض الأشخاص في أكثر من مدينة؛ لأن الحركة العلمية الإسلامية كانت نشطة ولم تكن هناك حدود بين الأقاليم الإسلامية.

لكن يلاحظ أن جميع هذه التواريخ رغم وفرة ما بها من معلومات لم تشتمل على خريطة توضيحية للمدينة، ولعل ذلك يعود إلى ثقافة تلك الفترة التي اعتمدت على الكلمة والخبر أكثر من اعتمادها على شيء آخر، فكانت هذه التآليف انعكاسا للثقافة السائدة.

الصورة والخريطة مع الكلمة


ومن المحاولات الرائدة في التأريخ لتاريخ القاهرة وجغرافيتها ومعالم الحضارة بها كتاب "أطلس تاريخ القاهرة" للكاتب "أحمد عادل كمال" الذي أمضى فيه المؤلف حوالي سبعة عشر عاما في تأليفه؛ وتناول فيه تاريخ القاهرة منذ الفتح الإسلامي وحتى وقتنا الحاضر، وجاء الكتاب كعمل غير مسبوق استعان فيه المؤلف بالكلمة والمعلومة التاريخية والجغرافية الصحيحة والموثقة، إضافة إلى الصور (حوالي 700 صورة) جمعت بين الصورة التاريخية والحديثة وكذلك عشرات الخرائط التفصيلية عن المراحل المختلفة التي مرت بها "القاهرة" وتصحيح الكاتب لبعضها وفق المستجدات من المعلومات والوثائق، كما يزخر الكتاب بعشرات الجداول التفصيلية عن معالم القاهرة وحكامها والذين تولوا الوظائف المهمة بها، ومن ثم فهو عمل غير مسبوق مزج فيه الكاتب بين حضارات وثقافات متعددة، وهو تعبير عن مخزون ثقافي للمدينة التي لا تنام، ومخزن لما يجب أن يحفظ من تاريخ هذه المدينة العريقة.

ويقع هذا الكتاب النفيس في 304 صفحات من القطع الكبير، شملت المادة العلمية والخرائط والصور والفهارس التفصيلية والجداول التوضيحية، وتمتد المادة العلمية للكتاب في 15 فصلا، بدءا من الحديث عن عواصم مصر في التاريخ وحتى محافظي القاهرة وشيوخ الأزهر الشريف، والمدن الجديدة والكباري العلوية وخطط التنمية بالمدينة، والخرائط المختلفة للنيل.

وقد صدر هذا الكتاب هذا العام 2004 عن "دار السلام للنشر والتوزيع" بالقاهرة في طبعة أنيقة فخمة بعد مراجعات لمواده العلمية قام بها الأستاذ الدكتور "عبد الشافي عبد اللطيف" أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور "أيمن فؤاد سيد" أستاذ التاريخ الإسلامي وخبير المخطوطات.



القاهرة عاصمة منذ القدم


تعد مدينة "القاهرة" من أكثر المدن الإسلامية التي استأثرت بالكتابة والتأريخ؛ نظرا لأن عمر "القاهرة" يزيد على الألف عام بكثير؛ فشواهد التاريخ تؤكد أن مكان هذه المدينة كان عاصمة لمصر في أغلب فترات تاريخها؛ ففي تاريخ مصر الممتد عبر حوالي 50 قرنا كانت القاهرة بمعناها الواسع هي عاصمة مصر؛ إذ يرجع البعض اتخاذ "القاهرة" عاصمة إلى سنة 98 ميلادية عندما بني حصن "بابليون" الذي ما تزال بقاياه موجودة حتى الآن، حيث أقيم هذا الحصن للدفاع عن الوجهين القبلي والبحري، وعندما جاء "عمرو بن العاص" لفتح مصر أقام عاصمته الإسلامية الجديدة "الفسطاط" بالقرب من ذلك الحصن، والتي كانت تعرف بمدينة مصر، والمعروف أن نشأة "الفسطاط" كان على غرار المدن التي ينشئها سكان البادية، فكانت أشبه بالحضر البدوي وكانت تشبه إلى حد كبير تخطيط "المدينة المنورة"، حيث حدد مخططوها -الذين لم يكن بينهم مهندس- مواقع لكل قبيلة من تلك القبائل التي شاركت في الفتح واستوطنت مصر بذراريها، والذين عرفوا فيما بعد بأهل مصر.

وكان تنسيق "الفسطاط" يقوم على إعطاء كل قبيلة قطعة من الأرض تقيم فيها مساكنها ويفصل بينها وبين غيرها مساحة من الأرض الفضاء التي طواها فيما بعد التوسع العمراني الذي زحف على هذه الفراغات، ويلاحظ أن العرب المسلمين الفاتحين تركوا مساحة بينهم وبين النهر كانت تسرح فيها دوابهم؛ كانت تسمى "المراغة" وهو ما يكشف عن وعي حضاري لدى المسلمين الأوائل في عدم البناء على حواف الأنهار والشواطئ حتى لا يحرموا غيرهم من الهواء النقي وحتى لا يحرموا أنفسهم ودوابهم من المساحات الخضراء التي تعد سلة الطعام للمدن في ذلك الوقت لصعوبة المواصلات وغياب الأمن في بعض المناطق، يقول مؤرخ مصر الكبير "ابن عبد الحكم"، "وقد كان المسلمون حين اختطوا تركوا بينهم وبين البحر (النيل) والحصن (بابليون) فضاء لتفريق دوابهم وتأديبها"، وظلت "الفسطاط" قائمة مزدهرة على اختلاف درجات هذا الازدهار حتى أحرقها الوزير الفاطمي "شاور" عند قدوم حملة "أموري" الصليبية.

ثم تطورت هذه العاصمة بإنشاء مدينة "العسكر" التي يعد موقعها الحالي منطقة "زينهم" التي أقامها "صالح بن علي" أول وال للعباسيين في مصر سنة (133هـ=750م) وكانت في البداية مقصورة على الجنود العباسيين، ولعل هذا السبب الذي جعل الناس يطلقون عليها "العسكر"، واستمر ذلك الحال حتى جاء "السري بن الحكم" واليا على مصر عام (201هـ=816م) فأذن للناس بالبناء فتهافت الناس على البناء بالقرب من مقر الحكم ونمت المدينة حتى اتصلت بالفسطاط.

ثم نشأت "القطائع" التي ابتناها "أحمد بن طولون" سنة (256هـ=869م) مؤسس "الدولة الطولونية" التي استمرت 38 عاما، وسميت بهذا الاسم لأن "ابن طولون" قطع الأراضي فيها ومنح كل قطيعة (وهي تشبه الشارع أو الحارة في عصرنا الحالي) إلى طائفة من القوم، فكانت هناك "قطيعة النوبة" و"الروم" وغيرهما، وازدهرت "القطائع" في عهد "ابن طولون" وابنه "خمارويه"، وأقام فيها "ابن طولون" جامعه الشهير الذي ما زال قائما حتى الآن، ثم تعرضت المدينة للتخريب بعد هزيمة "الطولونيين" أمام العباسيين عند "تنيس" سنة (292هـ=904م)، وذكر بعض المؤرخين أنه أحرق بها حوالي مائة ألف بيت، يقول "المقريزي": "إن القطائع قد زالت آثارها ولم يبق لها رسم يعرف".

القاهرة في عصور مختلفة


و"القاهرة" هي المدينة التي أنشأها القائد الفاطمي "جوهر الصقلي" سنة (358هـ=969م) شمالي مدينة "الفسطاط" وبناها في ثلاث سنوات وأطلق عليها اسم "المنصورية" ثم جاء الخليفة "المعز لدين الله الفاطمي" وجعلها عاصمة لدولته، وسماها "القاهرة"، وكانت مساحتها على حوالي 340 فدانا، وعندما انتهت "الدولة الفاطمية" على يد "صلاح الدين الأيوبي" سنة (567هـ=1171م)، وأقام مكانها "الدولة الأيوبية" التي استمرت 82 عاما حتى عام (648هـ=1250م) حدث تطور كبير في "القاهرة"، فبعد أن كانت المدينة ملكية خاصة للخلفاء أباحها "صلاح الدين" للخاصة والعامة، وأنشأ فيها عمارات جديدة فزادت اتساعا، ولعل أهم ما أنشأه كان "قلعة الجبل" لتكون حصنا له يعتصم به من أعدائه الداخليين والخارجيين، وقد وكل عمارتها إلى "بهاء الدين قراقوش"، كما بنى سورا جديدا للقاهرة سنة (572هـ=1176م)، وبنى قناطر الجيزة؛ غير أنه توفي قبل أن يكمل بعض هذه المباني الضخمة، وقد استخدم "قراقوش" الصليبين في بناء القلعة والسور، وأول خريطة يعتد بها للقلعة جاءت مع "الحملة الفرنسية" أي بعد بناء القلعة بحوالي ستمائة عام.

أما "الدولة المملوكية" التي بدأت سنة (648هـ=1250م) فقد شهدت اتساعا في "القاهرة" فأنشأت عددا من الآثار ما تزال قائمة حتى الآن، وأنشأت بعض المناطق الجديدة مثل ما يسمى حاليا "باب اللوق" التي سكنها عدد من فرسان التتر الذين أسلموا وبني عدد من المساجد والأسبلة، إلا أن عهد السلطان "محمد بن قلاوون" كان الأبرز في العمارة المملوكية.

أما "القاهرة" في "الدولة العثمانية" التي بدأت في مصر بعد هزيمة المماليك في معركة "الريدانية" سنة (923هـ=1517م) فقد بدأت تشهد عصرا جديدا، كذلك "الحملة الفرنسية" على مصر سنة (1213هـ=1798م) التي استمرت ثلاث سنوات والتي رسمت خرائط مهمة للقاهرة إضافة إلى عدد كبير من الرسوم التي تصور الحياة في تلك المدينة، والتي ضمها كتاب "وصف مصر" .

وتأتي "القاهرة" في عصر "أسرة محمد علي" لتشكل ملمحا جديدا ما زال كثير من آثاره باقية حتى الآن، والذي بدأ من سنة (1220هـ=1805م) حتى قيام حركة يوليو 1952م حيث بلغت درجة كبيرة في الاتساع في عهد الخديوي "إسماعيل" ووصلت مساحتها إلى ألف فدان كما يذكر "علي مبارك" في خططه، حيث أضيف إلى المدينة حي "الإسماعيلية" (التحرير حاليا)، وفي سنة (1265هـ=1849) بدأت المدينة تشهد بعض مشاريع البنية الأساسية، مثل مشروع توزيع المياه باستعمال المواسير وتوزيعها داخل البلد، وبعض مشاريع الإضاءة، ويعد "محمد علي باشا" أول من أدخل العمارة الغربية إلى "القاهرة"، فأحضر بعض المهندسين الغربيين وبنوا له "سراي القلعة" و"سراي شبرا" و"سراي الأزبكية"، ثم بنى ابنه "إبراهيم باشا" "قصر القبة"، وفي عهد "الخديوي إسماعيل" أنشئ "كوبري قصر النيل"، وأنشئت "حديقة الحيوان" على مساحة 30 فدانا، وعدد من السرايات منها "سراي عابدين"، كما رصفت بعض الطرق ومدت خطوط السكك الحديدية والهاتف وأنشئت المدارس الحديثة.

أما "القاهرة" في عهد الثورة وما جاء بعدها حتى الآن فقد شهدت تطورات كبيرة، فزادت مساحتها بدرجة كبيرة وأضيفت إليها أحياء ومدن جديدة تزيد مساحة بعض هذه المدن عن 400 كيلومتر مثل مدينة السادس من أكتوبر، كما شهدت زيادة كبيرة في عدد الكباري، واتساع مشروع مترو الأنفاق، وازداد عدد سكانها.. وما زال التاريخ يسجل أحداث القاهرة في الزمان والمكان.

هيثــــــم
12-14-2009, 12:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاه والسلام علي سيدنا محمد
وعلي آله وصحبه أجمعين


وبعد .. ,



يسعدني أن أقدم بين أيديكم

**(موسوعة تاريخ وحضاره مصر الفرعونية)**






وهو عباره عن خلاصه شامله لتاريخ مصر الفرعونيه حتي دخول الأسكندر الأكبر مصر سنه 332ق.م


مزوده بالمراجع والمصادر التاريخيه
خلاف المصادر الألكترونيه

وفقنا الله تعالي إلي ما فيه الخير ..,



http://www5.0zz0.com/2008/09/23/07/893658159.gif

مقدمه عامه





إن تاريخنا هو اصل حياتنا فأمة لا تعرف تاريخها لا تعرف صناعة مستقبلها ، كانت لمصر حضارة ومدنية منذ فجر التاريخ وكان لغيرها من شعوب الشرق حضارات ومدنيات ، وكما أعطت مصر لغيرها أخذت منهم أيضا ، ولكن كان لمصر دائما طابعها الشخصي فالحضارة أصيلة في وادي النيل و قد تطورت وازدهرت في هذا الجزء من بلاد الشرق ، وقد توافرت في حضارة مصر مما اثّرعلي ما تعاقب بعدها من حضارات .

فقد بدأ في مصر الانقلاب الأول بمعرفة سر إيقاد النار، ثم الانقلاب الثاني وهو الرئيسي في مجالات الحياة المادية للإنسان القديم ألا وهو معرفة حرفة الزراعة، وبدأ في مصر التطور المعنوي لثقافة الشعوب القديمة بمعرفة الكتابة بعد معرفة الفنون، وبعد نضوج الثقافة ظهرت في مصر و الشرق كافة العقائد والتشريعات وأسس العلوم ثم أشرقت فيه الديانات السماوية التي كانت ولا تزال هي الهدى للعالمين القديم والحديث، وظلت حضارة مصر وآثارها المادية والفنية وفيرة وكثيرة عن بقية آثار المدنيات والحضارات الأخرى القديمة، واستمرت في التطور والرقي حتى الألف الأول قبل ميلاد السيد المسيح .

و يعتبر تاريخ مصر القديم من أقدم تواريخ العالم الحديث وأقدم تواريخ البشرية بأجمعها ولا ترجع أهمية هذا التاريخ إلى قدمه فحسب ولكن طابع الاستمرار في هذا التاريخ فعصوره التاريخية تتوالى ولا تختلف كلاً منهما عن الأخرى فقد استمر التاريخ الفرعوني متواصل الأحداث ونجح المصري القديم في المحافظة على الإطار العام، والملامح العامة لتاريخه عبر العصور المختلفة الطويلة على الرغم من تأثر مصر أحياناً بعوامل التمزق والاضطراب الداخلي أو أن هناك أحداث وتأثيرات خارجية وغزوات وهجرات أجنبية، ولكن المصري القديم استطاع الخروج من هذه المحن ، والصعاب ومنذ العصر الحجري الحديث حتى الغزو المقدوني عام 332ق.م .


ولعل في حديثنا عن تاريخ مصر القديم دافعا قويا يحثنا على الانتماء إلى أرض هذا الوطن والتعرف على الذات الوطنية والشخصية ويجب علينا أن نفهم أثارنا ونحاول إبراز الجوانب الإيجابية في هذا التاريخ ويكفى تاريخ مصر فخراً أن عصوره المختلفة شهدت وفود العديد من الرسل والأنبياء عليهم السلام ولو تأملنا تاريخ مصر لوجدنا فيه العظة والعبرة لبني الإنسان لأن القدماء المصريين أدركوا لأنفسهم حقيقة الموت وأن الإنسان مهما بلغ من معرفة ومهما عاش من سنين فإن مصيره الموت ولن يبقى من تاريخه سوى كلمات تعبر عنها النقوش والكتابات والوثائق المختلفة .

هيثــــــم
12-14-2009, 12:26 PM
الإمارة في الأندلس
(138-422هـ/ 750-1031م)

عبدالرحمن الداخل:
لما قامت الخلافة العباسية طارد العباسيون الأمويين، ويشاء الله أن يفلت من أيديهم واحد من بنى أمية : أتدرى من هو؟ إنه عبدالرحمن بن معاوية بن هشام حفيد هشام بن عبد الملك عاشر الخلفاء الأمويين.
لقد هرب إلى فلسطين، ومنها إلى مصر ثم المغرب بعد خمس سنوات من التجول والتخفى عن عيون العباسيين ومكث عند أخواله الذين أكرموه.
ومن هناك راح ينتقل من "برقة" إلى "المغرب الأقصى" حتى وصل إلى مدينة "سبتة" سنة 137هـ/ 755م، وراح يُعِدّ العدة ويلتقط أنفاسه، ويرسم الخطوط العريضة لإقامة دولة يحيى بها مجد آبائه وأجداده الأمويين.
وأخذ يتطلع إلى "الأندلس الإسلامية" ليقيم فيها الخلافة الإسلامية الأموية من جديد، فهى البلاد التى فتحها الجيش الإسلامى بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، زمن الأمويين منذ سنة 92هـ/711م، وإليهم يرجع الفضل فى فتحها!
ولقد استقرت بها طوائف من أهل الشام وجُنْدِه الموالين للبيت الأموى.
وهنا أرسل "عبد الرحمن" أحدَ أتباعه، وهو مولاه "بدر"؛ ليجمع كلمة الذين يدينون لبنى أمية بالولاء والانتماء، ورَحّبَ به أنصارُ بنى أمية، ورأَوْا فيه شخصًا جديرًا بأن يتولى زعامتهم بدلا من ذلك الوالى العباسى، وعبر البحر إلى شاطئ الأندلس، وهناك انضمّ إليه أنصارُ بنى أمية، فقد انتهز عبد الرحمن الداخل فرصة الخلافات بين العرب المُضَريِّين والعرب اليمنيين فى الأندلس، فانضم إلى اليمنيين لأنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، وهزم المضريين بقيادة يوسف الفهرى فى موقعة "المصارة" فى 138هـ/ 756م، فاستولى على مدن البلاد الأندلسية الجنوبية دون مقاومة، ثم راح يستولى على "قرطبة" عاصمة "ولاية الأندلس" سنة 141هـ/ 759م، بعد هزيمة الوالى العباسي، وأعلن نفسه أميرًا، وأصدر عفوّا عامًا غداة دخوله قرطبة ليمكن لنفسه فى البلاد، وتم له ما أراد بعد بضع سنوات فقط من تولى العباسيين عرش الخلافة فى بغداد، وبهذا انفصلت ولاية الأندلس، عن الخلافة فى بغداد انفصالا رسميّا.
ولكن ماذا كان موقف العباسيين من هذا الذى زاحمهم فى الأندلس، بل وأنهى حكمهم هناك؟
ظل "عبد الرحمن الأموى" يعمل طوال مدة حكمه التى استمرت ثلاثة وثلاثين عامًا على تأمين مركزه فى جميع أجزاء دولته الجديدة، فأخمد الفتن، وأحبط الدسائس، وقضى على تلك المحاولات التى قام بها العباسيون لإخراجه من الأندلس.
صقر قريش:
لقد أرسل أبو جعفر المنصور إليه جيشًا بقيادة العلاء بن مغيث لإخضاع، الأندلس فهزمه عبد الرحمن بن معاوية وقتل العلاء.
فماذا فعل المنصور؟ وكيف كان رد الفعل؟
لم يحاول المنصور العباسى أن يُعيِّن على الأندلس أحدًا بعد هذا الذى قُتل.
ولم يحاول أن يرسل جيشًا لحربه، بل فَضَّل أن يقر بالأمر الواقع ويعترف له بلقب: "صقر قريش"، فقد أطلق عليه أبوجعفر المنصور هذا اللقب لاعترافه بشجاعته وقوته، فيروى أن أبا جعفر قال يومًا لبعض جلسائه: "أخبرونى من صقر قريش من الملوك،؟ قالوا ذلك أمير المؤمنين الذى راضى الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء (يقصدون أبا جعفر المنصور). قال : ما قلتم شيئًا. قالوا : فمعاوية ؟قال: لا. قالوا: فعبد الملك بن مروان؟ قال ما قلتم شيئًا. قالوا: فمن يا أمير المؤمنين ؟ قال صقر قريش عبدالرحمن بن معاوية الذى عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدًا أعجميّا منفردًا بنفسه فمصَّر الأمصار، وجنّد الأجناد، ودَوَّن الدواوين، ونال ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته، إن معاوية نهض بمركب حمله عمر وعثمان عليه وذلَّلا له صعبه، وعبد الملك ببيعة أبرم عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عترته واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد بأمره مستصحب لعزمه، فمد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور وقتل المارقين وأذل الجبابرة الثائرين".
أخلاق عبدالرحمن:
وقد كان عبد الرحمن جوادًا بسيطًا متواضعًا، يؤثر لبس البياض، ويصلى بالناس الجمع والأعياد، ويحضر الجنائز، ويعود المرضى، ويزور الناس ويخاطبهم، وكان نقش خاتمه "عبد الرحمن بقضاء الله راض " و "بالله يثق عبد الرحمن به يعتصم"، وكان شاعرًا بليغًا عالمًا بأحكام الشريعة.
ولقد اكتفت الخلافة العباسية ببقاء عبد الرحمن الأموى بعيدًا عنها فى إمارته.
النهضة العمرانية:
وراح عبد الرحمن يبنى، ويعمر، ويُعيدُ الحياة الآمنة الهادئة إلى ربوع الأندلس أكثر من ثلاثين سنة.
ولقد قابلته صعوبات وعقبات، منها تلك الفتن التى نشبت بين المضرية واليمنية، وهما من العرب، وكان هناك خطر جاثم يتمثل فى "دولة الفرنجة" (فرنسا الآن)، وكانت هناك أسبانيا النصرانية التى استطاعت أن تكون مملكة فى الشمال الغربى من شبه جزيرة أيبيريا (أسبانيا).
ولقد استطاع أهل مدينة سرقسطة مع واليهم أن يصدوا هجوم شارلمان سنة 161هـ/ 778م.
وقد استطاع عبد الرحمن أن ينافس العباسيين فى بغداد، وفاقت حضارة بلاده حضارات الدولة الأوربية المعاصرة لها، وقد أعاد عبد الرحمن بناء مسجد قرطبة

الدولة الرستمية
(160-296هـ/ 777-909م)

قامت الدولة الرستمية فى المغرب الأوسط (الجزائر)، وتنسب إلى مؤسسها "الرحمن بن رستم " زعيم الخوارج الإباضية، ومنذ خرج "الخوارج" على "على بن أبى طالب" -رضى الله عنه- وتسببوا فى قتله على يد الخارجى "عبد الرحمن بن ملجم"، وهم يتبنون سياسة الخروج والثورة على الخلافة الإسلامية، يكفِّرون من خالفهم من المسلمين، وتستبيح بعض فرقهم دماءهم!
وكان الخوارج قد فروا فى مرحلة مبكرة من الأمويين بدمشق والشام إلى المغرب.
وحاول الخوارج نشر مبادئهم هناك، وكانت الدولة العباسية كالدولة الأموية تحاول القضاء على الخوارج بسبب أفكارهم الغريبة ومعتقداتهم، واستقر عبد الرحمن بن رستم فى إقليم "تاهرت" بالمغرب الأوسط، وقام بنشر مذهبه هناك حتى بويع بالإمامة سنة 160هـ/777م، فأعلن قيام دولته التى صارت ملجأ لإباضية العراق وفارس وغيرهما، وهم أحد الفرق المعتدلة؛ حيث تتعايش مع خصومها وتعدل عن قتلهم.
نجح عبد الرحمن بن رستم فى توطيد دعائم دولته خلال الفترة التى قدر له أن يحكمها (144-168هـ) وقد خلفه من بعده ابنه عبد الوهاب الذى بقى فى حكم الدولة الرستمية عشرين سنة، ثم "أفلح بن عبد الوهاب" الذى حكم أكثر من خمسين عامًا (188-238هـ)، ثم تتابع فى حكم الدولة الرستمية خمسة من الأمراء، هم: أبوبكر بن أفلح، وأبو اليقظان، فأبو حاتم، فيعقوب ابن أفلح، فاليقظان ابن أبى اليقظان آخر أمرائهم.
وظل أتباع هذه الدولة يتصارعون ويختلفون حتى انقرضت الدولة الرستمية سنة 296هـ/ 909م، فى عهد اليقظان بن أبى اليقظان على يد داعى الفاطميين أبى عبد الله الشيعي.
لقد كانت علاقة الدولة الرستمية متوترة مع الأغالبة الذين يمثلون الدولة العباسية، ولكنهم كانوا على علاقة طيبة بالأمويين فى الأندلس، وذلك لأن الأمويين كانوا يبادلون العباسيين الكراهية والعداء.
وانتهت دولة الرستميين رغم ما تمتعت به من حياة سهلة رغيدة مدة من الزمان؛ لأن الذى يخرج عن جسم الأمة لابد أن تحاصره النهاية.
وكانت هنا دويلة أخرى قامت فى جنوب المغرب الأقصى إلى جانب دولة الأغالبة والأدارسة والدولة الرستيمة، إنها دولة سجلماسة (أو الدولة المدارية) فى جنوب المغرب الأقصى (140-296هـ/ 758-909م) وقد يتساءل البعض عَمْن أسسها؟ وكيف كانت علاقة هذه الدولة بجيرانها؟
لقد أسسها "موسى بن يزيد المكناسي" وهى دولة كالرستمية أسسها خوارج لكنهم على المذهب الصفري، ولهذا توطدت العلاقات بين هذه الدولة والدولة الرستمية فى شتى المجالات، ومؤسسها سودانى بنى العاصمة "سجلماسة"، وقد قضى الفاطميون عليها كما قضوا على غيرها

دولة الأدارسة
(172-364هـ/789-975م)

ذُكِرَ أنه فى أيام الخليفة الهادى قامت ثورة "علوية" فى الحجاز، وهى من تلك الثورات التى كان العلويون يشعلون نارها طوال خلافة العباسيين. وقامت قوات "الهادي" بالقضاء على هذه الثورة فى موقعة "فخ". ولكن بعض رءوس هذه الثورة وقادتها قد أفلتوا من أيدى العباسيين وهربوا إلى أماكن نائية بعيدًا عن أيديهم.
وكان ممن هربوا عَلَوِى يسمى "إدريس" بن عبد الله بن الحسن ابن على -رضى الله عنه-. وراحت قوات العباسيين تطارده، عيونهم وجواسيسهم تبحث عنه، فظل ينتقل من قطر إلى قطر آخر حتى وصل إلى مصر. وفى مصر التقى بصاحب البريد، وكان قلبه مع العلويين، فدبر لإخفائه، واحتال حتى أرسله إلى أبعد أجزاء الدولة حتى يكون فى مأمن من سطوة الخليفة.
وكان له ما أراد فوصل إلى أقصى المغرب.
وهناك أعلن أنه من سلالة النبى (، فأسرع البربر بالالتفاف حوله غير أن جيش أنصار الخليفة العباسى تمكن من هزيمته، ولكن ابنه إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن على تمكن من جمع أهل المغرب من حوله، وما أسرع ما بايعوه، ولم يجد صعوبة فى قيادتهم والاستيلاء على الإقليم جميعه، والقضاء على أى أثر للنفوذ العباسى فيه، واتخذ عاصمته فى فاس، وأقام دولة هناك نُسبت إليه فعُرفت بدولة الأدارسة، وهى نموذج للدولة المعادية للدولة العباسية، وهى أول دولة شيعية تظهر فى التاريخ، على أنَّ تَشَيُّعَها لم يكن يتجاوز حب آل بيت رسول الله > والولاء لهم، وهى صفة يشترك فيها السنة والشيعة معًا، وإن بالغ فيها أهل التشيع.
فلم يكن تشيع هذه الدولة ينال من حقيقة الإسلام الصافية شيئًا. ولهذا أحبها أهل السنة وانتصرت بهم، وكانت القبائل البربرية السنية فى المغرب حاميتهم وعماد دولتهم، ولهذا أيضًا عاشت دولة الأدارسة نحوًا من قرنين من الزمان.
لقد كانت "دولة الأدارسة" ضعيفة نسبيّا وذلك لسببين:
أولهما: أنها كانت محصورة بين الصحراء والمحيط والأمويين فى الأندلس ثم الأغالبة فى إفريقية.
ثانيهما: هو أنها كانت تعتمد على البربر وهم متقلبون يؤيدونها اليوم بينما يثورون عليها غدًا.
وكانت سياسة الدولة نفسها متقلبة تميل مع مصالحها لتضمن البقاء والاستمرار، فهى يومًا تميل مع الفاطمين، فتدعو لهم، وتعتمد عليهم، وعندما يهددها الأمويون فى الأندلس تميل معهم وتدعو لهم، وهذا يفسر لنا بوضوح سر ضعف دولة "الأدارسة".
وأراك تسألنى عن نهايتها، وأقول: لقد كانت نهايتها كنهاية دولة "الأغالبة" فى تونس -التى سيأتى ذكرها- على يد الفاطميين سنة 364هـ/ 975م بعد أن عاشت ما يقرب من قرنين، وأدت دورًا حضاريّا رائعًا فى المغرب الإسلامي، إذ انتشر بهم الإسلام فى المغرب بين البربر، وأسّسوا جامع القرويين الذى كان منارة للثقافة الإسلامية، وكانت فى المغرب كالأزهر فى المشرق.





دولة الأغالبة
(184-296هـ/800-909م)

هل تعلم أن نية العرب يوم فتحوا شمالى إفريقية كانت تتجه إلى توحيد إدارتها وإدارة الأندلس فى ولاية واحدة أسموها "إفريقية" وعاصمتها "القيروان"؟!
ولكن موقف "البربر" المتقلب، والبعد عن الخلافة، ونفوذ الأمويين فى الأندلس، كل ذلك ساعد على قيام الدويلات، فقامت "دولة الأدارسة" فى المغرب كما عرفتَ، وحاول الرشيد أن يوقف نفوذهم وتقدمهم، فاختار صديقًا له يدعى "ابن الأغلب" وولاه على القيروان (تونس). وأفهمه أن مهمته الأولى هي: إيقاف "الأدارسة" عند حدهم. واستطاع إبراهيم بن الأغلب بعد أن وصل إلى "القيروان" أن يوقف زحف الأدراسة العلوية، وأن يقى الدولة العباسية شر غزوات البربر والإغارة على الأقاليم الشرقية للدولة، وحقق إبراهيم بن الأغلب للرشيد ما أراد.
وكانت هذه الدويلة تمثل الدويلات ذات العلاقة الاسمية بالدولة العباسية بخلاف دولة الأدارسة التى كانت معادية للخلافة العباسية. لقد استطاع "إبراهيم بن الأغلب" أن يوقف الأدارسة. وبعد مناوشات بين الطرفين اقترحوا عليه ألا يعتدى أحد الطرفين على الآخر، وأن يبقى كل فى إقليمه، فقبل "ابن الأغلب".
واستقل "إبراهيم بن الأغلب" بالإقليم، ولكنه ظل على علاقة بالخلافة العباسية، فهو يذكر اسم الخليفة فى خطبة الجمعة، ويضع اسمه على العملة، ولكن فيما عدا هذين الأمرين فليس للخليفة العباسى أى نفوذ على دولة الأغالبة، فهم يتوارثونها أبًا عن جد، ويصرِّفون أمورها كما يشاءون دون رقيب.
ولما قويت شوكة الأغالبة بدءوا التوسع، ولكن الأدارسة حدوا من توسعهم غربًا، والصحراء حدتهم جنوبًا، والعباسيون شرقًا، فلم يبقَ لهم سوى الاتجاه شمالا حيث البحر!
فهل توقف الأغالبة؟ كلا، فها هم أولاء ينشئون أسطولا ضخمًا، يبنونه فى سنوات معدودات، ويبدءون جهادهم المبارك ضد الصليبيين بقيادة "أسد بن الفرات" فى البحر الأبيض المتوسط، ترى إلى أين؟ هاجموا جزيرة "صقلية" مرارًا على مدى ثمانين عامًا حتى استطاعوا القضاء على مقاومة الرومان من أهل الجزيرة وحكامها، وضموها لأراضى المسلمين، ثم استولوا على جزيرتى "مالطة" و"سردينيا" ونزلوا بعد ذلك فى كثير من السواحل الأوربية، وبخاصة سواحل إيطاليا الجنوبية والغربية، والسواحل الجنوبية لفرنسا.
لقد عاشوا أكثر من قرن من الزمان يحكمون تونس وملحقاتها، ويحكمون صقلية، ويفرضون هيبتهم على الدول الأوربية.
وقد استطاعوا فى بعض هذه السواحل إقامة حاميات وحصون دائمة، وإن لم يستطيعوا التوغل فى بعض هذه البلاد والاستيلاء عليها من أيدى أهلها.
وقد يتساءل البعض: ما قيمة هذه الفتوح وهى ليست إلا بعض جزر، وبعض نقاط السواحل؟
إنها فى حقيقة الأمر على جانب كبير من الأهمية، ذلك أن هذه الجزر والسواحل الضيقة كانت جسرًا عبرت عليه الحضارة الإسلامية إلى أوربا فى زمن كانت فيه أوربا فى ظلام حالك.
كما أن السيطرة على هذه الجزر كان يؤمن التجارة الإسلامية فى غرب البحر المتوسط وكانت الثقافة الإسلامية الضوء الوحيد فى العالم الذى أنار وجه الأرض حينذاك.
وعاشت دولة الأغالبة قرنًا وتسعة أعوام من سنة800م إلى سنة 909م، وازدهرت الحياة الاقتصادية والعمرانية فى تونس على عهدهم، ولعبت مساجدهم فى تونس دورًا كبيرًا فى دعم الحضارة الإسلامية، وكان جامع الزيتونة جامعة إسلامية عظيمة.
وقد انتهت حياتها على يد الفاطميين يوم دخلوا القيروان فاتحين.


الدولة الطاهرية
(205-259هـ/821-873م)

قامت هذه الدولة فى خراسان، وقد أسسها طاهر بن الحسين أحد كبار قواد الجيش فى عهد الخليفة المأمون.
ولكن كيف يتسنى له أن يقيم دولة والدولة العباسية فى أول عهدها، وفى عصر المأمون الذى يعد العصر الذهبى للدولة العباسية؟!
إن لقيام هذه الدولة قصة، فقد كان لإقليم خراسان وضع خاص فى الدولة العباسية منذ نشأتها، إذ كان هؤلاء الخراسانيون-كما علمتَ فى قيام الدولة العباسية-يشعرون بأنهم أصحاب فضل على الدولة العباسية، وبأن سيدهم "أبا مسلم الخراساني" هو المؤسس الأكبر لهذه الدولة، ورغم ذلك لم يحسن العباسيون جزاءهم حين قتل المنصور أبا مسلم.
والواقع أن الخلافة العباسية كانت تتجاوز كثيرًا عن الخراسانيين، وتحاول إرضاءهم؛ اعترافًا بفضلهم على الدولة. وفى عصر المأمون، كان طاهر بن الحسين وابنه عبد الله من كبار رجال الدولة وخيرة قادتها فى ذلك الوقت؛ الذى بدأ فيه الصراع بين الأمين والمأمون.
ولقد وقف طاهر بن الحسين إلى جوار المأمون فى كثير من المواقف الحرجة حتى تمكن من الخلافة. ولم يمرَّ إلا عامان حتى أقدم "طاهر بن الحسين" على خطوة جريئة فى سنة 207هـ/ 823م. أتدرى ما هي؟ لقد قطع الدعاء فى الخطبة للمأمون، وكان قطع الدعاء يعنى الاستقلال عن الخلافة.
ولكن يشاء الله أن يموت طاهر فى العام نفسه، ترى هل تعود الدولة الطاهرية إلى الدولة العباسية بعد موت مؤسسها؟
لقد تولى ابنه طلحة بعد أبيه بأمر من الخليفة المأمون، وظل الطاهريون يحكمون خراسان، ولكنهم يتبعون "الدولة العباسية" تبعية اسمية مما جعل الخلافة العباسية تلجأ إلى الطاهريين، تلتمس منهم المؤازرة والمساندة ضد الخارجين على سلطانهم.
لقد حارب عبدُالله بن طاهر نصرَ بن شبث حين قام بثورة فى شمال حلب سنة 209هـ، وأتى به أسيرًا إلى المأمون. وظل الطاهريون على ولائهم للعباسيين حيث اشترك عبد الله بن طاهر فى إخماد فتنة وقعت فى عهد المعتصم بطبرستان، وهكذا استقل الطاهريون استقلالا داخليا هادئًا فى خراسان، وظلوا يتولون أمرها، ويتوارثون الإمارة فيها، ولم يمنعهم استقلالهم من مساندة الخلافة العباسية، ومساعدتها فى كل ما واجهته من فتن وثورات.
ولكن عندما جاءت سنة 259هـ/ 873م، استطاع يعقوب الصفار أن يقيم دولته على أنقاض دولة الطاهريين.

الدولة الصفارية
(254-290هـ/ 868-903م)
قضى يعقوب بن الليث الصفار على الدولة الطاهرية، وأقام دولته على أنقاضها، وقد لقب بهذا اللقب؛ لأنه كان فى بداية أمره يحترف صناعة النحاس الأصفر بسجستان، ثم اشتهر بالفروسية، فتطوع لقتال الخوارج مع رجل صالح كان يظهر التطوع لقتال الخوارج فى سجستان بجنوب خراسان، فقاتل معه يعقوب، ثم مع من خلفه حين مات، فصار الأمر إليه، فراح يحارب الخوارج فى "سجستان" معلنًا ولاءه للخليفة المعتز، ومظهرًا شجاعة خارقة فى قتال الخوارج حتى سيطر على سجستان، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصار يمد نفوذه على الأقاليم المجاورة حتى ملك "هراة"، وكانت تابعة للدولة الطاهرية.
وقد توجه "الصَّفَّار" إلى "كِرْمَان"، وبسط نفوذه عليها، ثم توجه إلى فارس فأخذها بعد قتال عنيف مع غريمه "على بن الحسين" الذى وقع أسيرًا جريحًا فى يده.
ولم يكتفِ بهذا، بل توجه إلى خراسان، وحاصر العاصمة "نيسابور" ودخلها سنة 259هـ/ 873م -خلافًا لما أمره به الخليفة- بحجة أن أهل خراسان طلبوه للضعف الذى يعانيه الطاهريون فى عهد الخليفة العباسى "المعتمد"، وقبض على جميع الطاهريين بها، واستولى على البلاد التى كان يحكمها الطاهريون.
وتقدم "الصّفار" فى البلاد بعد أن هزم خصومه، وذهب إلى "طَبَرِسْتان" فدخلها سنة 260هـ/874م، وهزم صاحبها "الحسن ابن زيد العلوي" الذى عاد إليها مرة أخرى فى نفس العام 261هـ/875م.
ويدرك الخليفة خطره، فقد اتجه إلى بغداد، ولم يبْقَ فى يد الخليفة إلا هي، بعد استيلائه على "الأهواز"، فأمر الخليفة أن يجهز جيشًا بقيادة أخيه الموفق لمواجهة "يعقوب"، وذلك فى عام 262هـ/ 876م
ويشاء الله أن تدور الدائرة على يعقوب فيهزم، ولكن "المعتمد" يرى الاحتفاظ بولائه للخلافة، فمثله يمكن الاعتماد عليه فى مواجهة الثورات والانتفاضات، فبعث إليه يستميله ويتَرضَّاه، ويقلده أعمال فارس وغيرها مما هو تحت يديه، ويصل رسول الخليفة إليه، وهو فى مرض الموت، ولكن بعد أن كَوَّنَ دولة، وبسط سلطانه عليها.
ويظهر أخوه (عمرو) من بعده ولاءَهُ للخليفة، فيوليه الخليفة خراسان، وفارس، وأصبهان، وسجستان، والسند، وكرمان، والشرطة ببغداد، وكان "عمرو" كأخيه ذا أطماع واسعة، فانتهز فرصة تحسن العلاقة بينه وبين الخليفة وراح يتمم رسالة أخيه.
لقد اتجه بنظره إلى إقليم ما وراء النهر الذى كان يحكمه السامانيون، ولكن قوتهم لا يستهان بها، فما العمل؟
كتب إلى الخليفة المعتضد ليساعده على تملك هذا الإقليم، ولكنْ على الباغى تدور الدوائر، وما طار طائر وارتفع إلا كما طار وقع، لقد هُزم عمرو بن الليث الصفار هزيمة ساحقة ماحقة، ووقع أسيرًا فى أيدى السامانيين، وأُرسل به إلى بغداد ليقضى عليه فيقتل سنة 289هـ/ 902م.
ولم تكد تمر ثمانى سنوات حتى كان السامانيون قد قضوا نهائيا على الصفاريين واستولوا على أملاكهم، والأيام دول.
الدولة السامانية
(266-389هـ/ 880-999م)

تنتمى الدولة السامانية إلى "نصر بن أحمد الساماني" الذى ولاه الخليفة "المعتمد" على ما وراء النهر سنة 261هـ، وكان لنصر هذا أخ يدعى "إسماعيل الساماني" فولاه الخليفة بخاري.
وقد عرف أن السامانيين كانوا فى بلاد ما وراء النهر، وأنهم قضوا على الصفاريين واستولوا على أملاكهم.
حتى إذا جاء عام 279هـ/893م، مات نصر فقام أخوه إسماعيل مقامه فى بلاد ما وراء النهر، فوطَّد أمرها، وثبت قواعدها، وقام بحملة عسكرية ضد المجاورين له من المسيحيين؛ لأنهم كانوا يهاجمون المناطق الإسلامية من حين إلى آخر، وقد نتج عن هذه الحملة انتصاره فى هذه الحروب، ودخول كبار قادة هذه البلاد فى الإسلام، وتبعتهم فى ذلك الجماهير التابعة لهم، لقد كان إسماعيل يحب الخير والعلم، فقرب إليه العلماء، ونشر الخير فيمن حوله.
وفى عهده، تم القضاء على الدولة الصفارية، وامتد نفوذه إلى خراسان، واستولى على طبرستان بعد أن انتصر على واليها العلوى "محمد بن زيد" عام 287هـ/ 900م، وصرعه فى أثناء القتال.
وتمكن إسماعيل بعد ذلك من ضم الرى وقزوين إلى حوزته وتحت سيطرته.
وتوارثت الأجيال السامانية الولاية بعد إسماعيل السامانى حتى سنة 389هـ/ 999م ؛ حيث سقطت الدولة السامانية بسبب الأطماع والخلافات؛ مما أطمع القواد والعمال فى الخروج على الحاكمين من السامانيين.
ولا ينسى التاريخ أن يذكر للدولة السامانية اهتمامها بالعلم والعلماء ورعايتها للآداب، وقيامها بنهضة فنية رائعة فى العمارة، وصناعة الخزف والمنسوجات الحريرية، وصناعة الورق التى انتشرت فى سمرقند، ومنها انتشرت فى بقية العالم الإسلامي، وكان اهتمامهم باقتناء الكتب عظيمًا، فالمطلع على مكتبة الدولة يجد مالا يوجد فى سواها من كتب المعارف والعلوم.

الدولة الغزنوية
(351-582هـ/ 962-1186م)

هل سمعت أو قرأت أحد هذين الاسمين؟ "سُبُكْتِكين" و"البُتْكِين"؟
إنهما اسمان تركيان، أما أولهما فتنسب إليه الدولة الغزنوية، وقد كان أحد مولى الثاني. وكان الثانى أميرًا على مدينة "هراة" التابعة لخراسان، ويصدر أمر عبد الملك السامانى بعزله، فأين يذهب؟ ذهب إلى "غزنة" واستولى عليها سنة 352هـ/963م، ويحل محله بعد موته على إمارة غزنة ابنه إسحاق، ويموت إسحاق وليس هناك من يرثه.
لقد جاء الدور على "سبكتكين" أحد موالى "البتكين" الذى كان معروفًا بالتدين والمروءة، ورجاحة العقل، وكان لابد من توسيع رقعة مملكته لتشمل "بشاور" فى الهند، وخراسان التى كان يليها أول الأمر نائبًا عن السامانيين.
ويتولى الأمر بعد "سبكتكين" ابنه إسماعيل، ثم تولى الأمر بعده أخوه محمود.
ولم تجئ سنة 388هـ/ 998م حتى كان محمود الغزنوى قد شرع فى مهاجمة "نيسابور" بعد أن ملك غزنة.
ويتمكن محمود فى سنة 389هـ/ 999م من الاستيلاء على خراسان معلنًا ولاءه للخليفة العباسى القادر بالله.
ويولى "محمود بن سبكتكين" أخاه "نصرًا" قيادة جيوش خراسان، ويسير إلى "بلخ" فيجعلها دار ملكه. ويصبح "محمود الغزنوي" من الشخصيات العظيمة فى التاريخ الإسلامى بسبب جهاده المتواصل فى اتجاه الهند. لقد قاد سبع عشرة غزوة على الهند مكنته من ضم إقليم "البنجاب"، وجزء من "السند" إلى بلاده.
إن المسلمين فى الهند وباكستان يذكرون "محمودًا الغزنوي" ولا ينسونه، وكيف ينسى وهو الذى حمل النور إليهم ونشر الإسلام بينهم؟!
لم يكتفِ محمود بهذا، بل أخضع "الغور" وهى تجاور "غزنة" ونشر الإسلام هناك، فيا لها من جهود تُذكر فتُشكر! وإلى جانب فتوحاته فى كشمير وبنجاب نراه قد استولى على بخاري، وما وراء النهر آخذًا بعض ممتلكات بنى بويه كالرى وأصفهان، وحتى إقليم سجستان أخضعه لسلطانه، وهكذا كان محمود الغزنوى رحمه الله، محبّا للجهاد والغزو ونشر دين الله فى ربوع الأرض.
لقد لقى محمود ربه سنة 421هـ/ 1030م، وكان خَيرًا، عاقلا، دَينًا، عنده علم ومعرفة، قصده العلماء من أقطار البلاد، وكان يكرمهم، ويقبل عليهم، ويحسن إليهم، وكان عادلا، كثير الإحسان إلى رعيته ملازمًا للجهاد، كثير الغزوات.
ويتولى مسعود بن محمود أمر البلاد بعد أبيه، ويسير على نهج أبيه، ولكن الدول تضعف فى أواخر عهده ؛ وينتهى أمر هذه الدولة الفتية عام 582هـ.
وبعد.. فما أكثر الدول التى قامت فى فارس ! إننا لا ننسى الدولة البويهية (323-447هـ/ 935-1055م)، وتنسب إلى أبى شجاع بن بويه، الذى كان رئيسًا لقبيلة من الديلم تسكن جنوبى بحر قزوين وتحترف الجندية.
لقد قامت دولتهم فى فارس والرى وهمذان وأصبهان، وكان مؤسسوها من الفرس، وعندما نذكر الدولة البويهية نذكر "الدولة السلجوقية" التى قامت فى فارس وهمذان والعراق، ومؤسسوها من الأتراك.
وقد عرفت أنهم قوم بدو نزحوا من بلاد التركستان إلى بخاري، واعتنقوا المذهب السني، وظلت دولتهم قائمة من سنة (429-700هـ/1038-1301م).
وخلفهم المغول فى حكم البلاد، ويأتى الحديث عن الدول المستقلة عن الخلافة العباسية إلى ذكر "الدولة الأيوبية" التى حاربت الصليبيين، وكانت مستقلة عن الخلافة العباسية أيضًا وإن ظلت على الولاء الظاهرى لها، "والدولة المملوكية" التى سقطت الخلافة فى عهدها على يد التتار، فقامت بإحيائها فى القاهرة على يد الظاهر بيبرس البندقداري.
وتبقى الدولة العثمانية التى أخذت الخلافة من الخليفة العباسى فى مصر، وظلت تقوم بمهام الخلافة إلى أن نجحت المؤامرات فى إسقاطها، وانفرط عقد الوحدة إلى يومنا هذا.

الدولة الطولونية
(254-292هـ/ 868-905م)

فى عهد الخليفة الواثق، كانت مصر من نصيب "باكباك" التركى حيث ازداد نفوذ الأتراك، وأخذوا يتولون المناصب الكبري، ويتقاسمونها فيما بينهم.
ولكن "باكباك" فَضَّلَ أن يبقى فى العاصمة "بغداد" ويبعث من ينوب عنه فى ولاية مصر.
ووقع الاختيار على أحمد بن طولون، ذلك الشاب الذى نشأ فى صيانة وعفاف ورياسة ودراسة للقرآن العظيم مع حسن صوت به، وكان والده مملوكًا تركيا بعث به وإلى بلاد "ما وراء النهر" إلى الخليفة "المأمون العباسي" ولما مات والده تزوج باكباك أمه.
وجاء أحمد بن طولون ليحكم مصر نيابة عن "باكباك" التركي، ولكن موقع مصر الجغرافي، وبُعد المسافة بين العاصمة المصرية "الفسطاط" والعاصمة العباسية "بغداد" شجع وإلى مصر الجديد على الاستقلال بها.
فلم يكد أحمد بن طولون يستقر فى مصر سنة 254هـ حتى أخذ يجمع السلطة كلها فى يده.
لقد عزل الموظف العباسى المختص بالشئون المالية فى مصر واسمه "عامل الخراج" وصار هو الحاكم الإدارى والمالى والعسكري.
وكان له ما أراد، فأقر الأمور فى البلاد، وقضى على الفتن، ونشر الطمأنينة فى ربوع الوادي، وعَمَّ البلاد الرخاء.
استقلال مصر عن الخلافة:
ولقد أتاحت له الظروف أن يعلن استقلاله بالبلاد فى عهد الخليفة المعتمد العباسي، عندما بعث ابن طولون بإعانة مالية للخلافة مساعدة منه فى القضاء على "ثورة الزنج". ولكن "طلحة" أخا الخليفة بعث يتهم ابن طولون بالتقصير فى إرسال المال الكافي، ويتهدده ويتوعده، وهنا كان رد ابن طولون قاسيا وعنيفًا، ولم يكتف بهذا بل أعلن استقلاله بالبلاد.
وتأسست فى مصر "الدولة الطولونية" نسبة إلى منشئها أحمد ابن طولون، وراح أحمد بن طولون يعدّ جيشًا قويا لحماية البلاد داخليا وخارجيا؛ وقد بلغ جيش مصر فى عهد أحمد بن طولون مائة ألف جندي.
القطائع عاصمة مصر:
وراح يفكر فى اتخاذ عاصمة له غير "الفسطاط" تضارعها وتنافسها، فاتخذ الأرض الواقعة بين السيدة زينب والقلعة وسماها "القطائع"، وعليها أقام جامعه الكبير الذى ما زال موجودًا حتى الآن، وجعله معهدًا لتدريس العلوم الدينية، وكان ابن طولون رجل صلاح وبرٍّ، يتصدق من خالص ماله فى كل شهر ألف دينار.
وقد رابطت فى العاصمة الجديدة طوائف الجند حيث أقطعهم أحمد بن طولون أرضًا يقيمون عليها.
حماية الثغور:
وأمام ما وصل إليه أحمد بن طولون من قوة، كان لابد أن تتقرب إليه الخلافة العباسية ليقف إلى جانبها فى مواجهة الروم البيزنطيين، الذين لا يكفُّون عن الإغارة من آسيا الصغري.
إن شمال الشام منطقة حساسة، وكانت المناطق الملاصقة للروم فيه تعرف باسم "إقليم العواصم والثغور" فهى تشتمل على المنافذ والحصون القائمة فى جبال طوروس.
فليس عجيبًا إذن أمام ضعف الخليفة وقوة أحمد بن طولون أن يعهد إليه بولاية الثغور الشامية للدفاع عنها ورد كيد المعتدين.
لقد كان أحمد بن طولون مهيأً لهذه المهمة وجديرًا بها، فبعث بجزء من جيشه وأسطوله ليرابط هناك على الحدود، يحمى الثغور، ويؤمن المنافذ والحصون.
الوحدة بين مصر والشام:
ثم يتوفى والى الشام التركى سنة 264هـ، فيضم أحمد بن طولون البلاد إليه لكى يستكمل وسائل الدفاع على إقليم الثغور.
وصارت مصر والشام فى عهد الدولة الطولونية وحدة لها قوتها فى الشرق العربي، تحمل راية الدفاع عن أرض الإسلام ضد الروم، بينما عجزت الخلافة العباسية فى ذلك الوقت عن مواجهة قوى الشر والعدوان، وأمام قوة أحمد بن طولون وقيامه بتوحيد الشام ومصر تحت إمرته خشى أباطرة الروم سلطانه، وخافوا سطوته، فبعثوا إليه يودون أن يعقدوا هدنة معه، بل لقد حدث أكثر من ذلك، لقد عزم الخليفة العباسى "المعتمد" على مغادرة البلاد سرّا فرارًا من سيطرة أخيه الموفق "طلحة"، فأين يذهب يا تري؟!
لقد قرر اللجوء إلى أحمد بن طولون صاحب القوة الجديدة فى مصر والشام، ولكن أخاه الموفق أعاده إلى عاصمة الخلافة بالعراق.
وظلت الوحدة بين الشام ومصر قائمة فى عهد أحمد بن طولون، وراحت قواته البحرية والبرية تحمى هذه الوحدة وتعلى قدرها فى شرق البحر الأبيض المتوسط.

ولاية خمارويّه:
ويتولى ابنه "خُمارويه" بعده حاملاً راية الدفاع عن مصر والشام كما كان أبوه. ولكن "طلحة" أخا الخليفة "المعتمد" يعود إلى محاولاته ودسائسه لإعادة مصر والشام إلى سيطرة الخلافة العباسية.
ويعد خمارويه جيشًا يتولى قيادته بنفسه، ويهزم قوات أخى الخليفة عند دمشق فى معركة "الطواحين" سنة 273هـ/ 887م، فلا يملك إلا أن يعقد مع "خمارويه" صلحًا اعترفت فيه الخلافة العباسية بولاية خمارويه على مصر والشام، ولأبنائه من بعده لمدة ثلاثين سنة. وكان نصرًا رائعًا أتاح له أن يسيطر على منطقة العواصم والثغور، وأصبح "خمارويه" قوة يرهبها الروم.
مصاهرة الخليفة:
وهكذا القوة تكسب أصحابها الاحترام والسيطرة والنفوذ، وتزداد العلاقة بين خمارويه والخلافة العباسية قوة، حيث يتزوج الخليفة المعتمد "العباسة" بنت خمارويه المعروفة باسم "قطر الندي"، وهى ال

الدولة الإخشيدية
(323 - 358هـ/ 935 - 969م)

عادت مصر بعد سقوط الدولة الطولونية إلى الخلافة العباسية وعلى الرغم من ذلك ظلت ثلاثين عامًا تعانى من الاضطراب والفوضى والفتن الداخلية. وظل النفوذ العباسى غير مستقر فى مصر بعد زوال الدولة الطولونية. ويتطلع أحد القادة الأتراك فى الجيش العباسى فى مصر إلى الانفراد بالسلطة وحده دون القادة المتنازعين، والولاة العباسيين.
فيا ترى من هو؟ إنه "محمد بن طُغج الإخشيد"، لقد ساعده على ذلك ما قدمه من خدمات فى الدفاع عن البلاد ضد هجمات الدولة الفاطمية التى قامت فى تونس، وراحت تهدد مصر من جهة الشمال الإفريقي، وذلك فى عام (321-324هـ/ 933- 936). وفى سنة 323هـ/ 935م تولى الإخشيد ولاية مصر وصار الحاكم المطلق فى البلاد.
سبب التسمية:
ولكن من أين "لمحمد بن طغج" هذا اللقب "الإخشيد" وهو لقب إيراني؟
لقد رغب الخليفة "الراضي" العباسى فى اكتساب مودة محمد بن طغج إلى جانبه، فمنحه لقب "الإخشيد" وهو لقب إيرانى تلقب به الأمراء.
ويدل هذا على مكانة الإخشيد فى مصر وما بلغه من سلطان واسع ونفوذ كبير.
توحيد مصر والشام وبلاد العرب:
لقد أصبح "محمد بن طغج" مؤسس الدولة الإخشيدية فى مصر وإليه تنتسب أسرته. وظلت الأمور على ما يرام بين محمد بن طغج الإخشيد والخلافة العباسية حتى جاء اليوم الذى أرسل فيه الخليفة الراضى جيشًا بقيادة "محمد بن رائق" إلى الشام لانتزاع مصر من الإخشيد سنة 328هـ/ 940م.
وعندئذ ألغى الإخشيد اسم الخليفة العباسى من الخطبة وأعلن استقلاله بمصر، واستطاع هزيمة القائد ابن رائق والاحتفاظ بملكه سليمًا.
وكان ابن رائق قد هزم محمد الإخشيدى فى بداية الأمر، وانشغل جنود ابن رائق بجمع الأسلاب، فخرج كمين لابن الإخشيد عليهم، وهزمهم، وفرقهم، وتفرغ الإخشيد بعد هزيمة قائد الخليفة إلى الداخل، فنجح فى القضاء على الفتن والقلاقل الداخلية، وراح يعمل على دراسة أحوال العالم العربى المجاور لمصر.
وأخذ يفكر فى وحدة تقف فى وجه العدوان الخارجى من قبل الروم.
وبعد سنتين من قيام الدولة الإخشيدية ضم الإخشيد إليه الشام بعد موت ابن رائق سنة 130هـ ؛ ليعيد القوة إلى الشرق العربي، وليتسنى له الوقوف فى وجه الروم البيزنطيين، وهنا خاف أباطرة الروم، وأسرعوا يخطبون وده كما فعلوا مع أحمد بن طولون.
وفى العام التالى لهذه الوحدة، مد الإخشيد نفوذه إلى مكة والمدينة، وراح يتولى أمر الحجاز ويشرف على الحرمين الشريفين.
ولقى الإخشيد ربه سنة 334هـ/469م.
إمارة كافور:
وبعد وفاته تولى وزيره أبو المسك كافور الوصاية على ولديه الصغيرين، وأثبت هذا الوصى مقدرة فى إدارة شئون البلاد والدفاع عنها ضد الأخطار التى تهددها من طائفة "القرامطة"، وأفلح فى القضاء عليها.
فلقد حافظ على وحدة مصر والشام وبلاد العرب، وامتد سلطان الدولة الإخشيدية إلى "جبال طوروس"، فى أقصى شمال الشام وصارت قوية الجانب يرهبها البيزنطيون.
وأبو المسك كافور هذا هو الذى خلع عليه الشاعر المتنبى أجمل قصائد المدح، ثم عاد وهجاه؟
نعم، إنه هو بعينه، فلقد كان المتنبى يطمع فى أن يوليه كافور "ولاية" تنافس مملكة سيف الدولة بن حمدان، فمدحه لينال رضاه، فلما لم يولِّه هجاه.
لقد بلغت إمارة كافور على مصر ثلاثًا وعشرين سنة حكم فيها باسم أبناء الإخشيد عدا سنتين انفرد فيها بالأمر وظل اسمه طوال هذه المدة موضع الهيبة والإجلال، ويدعي له من منابر المساجد من طرسوس بأطراف الشام ومصر والحجاز، ولقد كان كافور شهمًا جيد السيرة.
ترى من يخلفه بعد وفاته؟ وهل تظل الدولة الإخشيدية بعده رافعة أعلامها؟!
سقوط الدولة بعد كافور:
لقد لقي كافور ربه فخلفه "أبو الفوارس أحمد بن علي أبو الحسن" حفيد الإخشيد، وكان طفلا لم يبلغ الحادية عشرة من عمره، وكان لابد في مثل هذه الظروف أن تعود الفوضى إلى البلاد، وأن يكثر من حولها الطامعون.
واشتدت هجمات الفاطميين من بلاد المغرب على مصر حيث حاول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي الاستيلاء عليها، وعجزت الدولة العباسية عن الوقوف إلى جانب الإخشيديين، فلم يكن بد من استيلاء الفاطميين عليها سنة 358هـ/ 969م، ليحلوا محل الدولة الإخشيدية